فالمفرد عند النحاة هُوَ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَة أو الملفوظ بلفظ واحد: زيد، قام، إلى .. هذا ملفوظ بلفظ واحد وهو كلمة واحدة، وهذا لا إشكال فيه عند النحاة وهو مناسب لعلمهم، وأما عند المناطقة فالمفرد هو: ما لا يدل جزءه على جزء معناه، يختلف التعريفان: بأن عبد الله مثلًا هذا مركب تركيبًا إضافيًا، هل هو مفرد أم لا؟
على حد النحاة هو مركب وليس بمفرد، وعلى حد المناطقة هو مفرد، فوقع النزاع في مثل: عبد الله، وغلام زيد علمًا، وتأبط شرًا .. ونحو ذلك، وحصل فيه نزاع بين كثير من النحاة في هذا، حتى السيوطي رحمه الله تعالى والأشموني وغيرهم.
والصواب: أن تعريف المفرد عند النحاة بأنه ما لا يدل جزءه على جزء معناه غلط، نقول: غلط وليس بما يحتمل الاجتهاد، لماذا؟ لأن هذا من تداخل الاصطلاحات؛ لأن هذا الاصطلاح خاص بالمناطقة وليس خاصًا بالنحاة؛ لأن بحثهم في المعقولات أكثر من بحثهم في الملفوظات بخلاف النحاة .. على عكس، فبحثهم في الملفوظات أكثر من بحثهم في المعقولات.
قال هنا: ثم اعلم، وممن نبه على هذا الغلط الذي وقع عند النحاة في تعريف المفرد الفتوحي رحمه الله تعالى، وكذلك ابن اللحام في مختصره، وكذلك ياسين الحمصي في حاشيته على مجيب النداء، وكذلك البيجوري في شرح نظم العمريطي هناك .. الآجرومية.
ثم اعلم أن المفرد في الاصطلاح -اصطلاح النحاة- هو الكلمة الواحدة.
{وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ} ودخول الأصوليين هنا في تعريف المفرد عند المناطقة كذلك فيه شيء من النظر؛ لأنهم كما مر في ابتداء الفصل إنما ذكر الفصل لفهم ألفاظ الكتاب والسنة؛ لأن أصول الفقه يستمد من ثلاثة فنون، ومنها اللغة العربية، فحينئذٍ يكون الأصل في فهم المفردات والألفاظ هو ما وضعه أهل اللغة لا ما وضعه المناطقة، فقول الأصوليين بأن المفرد كذلك هذا غلط؛ لأن بحث الأصولي يتعلق بفهم الكتاب والسنة، وإنما يُفهم الكتاب والسنة على وفق سَنن اللغة العربية لا على وفق سَنن المناطقة؛ لأن لهم اصطلحات خاصة بهم.
قال هنا: {لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى} والمشهور أنه ما لا يدل جزءه على جزء معناه.
{وَلاَ جُزْءَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ} .