يعني: من نظر إلى فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي ليس كما لو وَصف له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقول الصلاة. نقول: نعم هذا لا إشكال فيه، لكن ليس هذا محل البحث، محل البحث في كونه وقع بيانًا لمُجملٍ.
على كلٍ هذه القاعدة ليست على إطلاقها .. فيها نظر.
فقوله: {التَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى فِي الدَّلالَةِ عَلَى الْحُكْمِ} من الفعل، نقول: لا ليس الأمر كذلك.
وَالْفِعْلُ أَدَلُّ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ.
فَفِعْلُ الصَّلاةِ أَدَلُّ مِنْ وَصْفِهَا بِالْقَوْلِ لأَنَّ فِيهِ الْمُشَاهَدَةَ, وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ وُجُوبِهَا أَوْ نَدْبِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا: فَالْقَوْلُ أَقْوَى لِصَرَاحَتِهِ لكن كلٌ منهما مصدر، الفعل قد يدل على الوجوب، ومر معنا أن بعضهم استدل على وجوب صلاة الكسوف بكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خرج فزعًا يجر رداءه. دل على أن هذا الأمر واجب، إذًا: الفعل يدل على الوجوب.
لكن -هنا يقع اللبس- فرقٌ بين انفكاك الدليل وبين تعارضه، انفكاك الدليل يعني: قولٌ ولم يعارضه فعلٌ، أو فعلٌ ولم يعارضه قولٌ. حينئذٍ الأحكام ولا فرق بينهما البتة تؤخذ من الفعل وتؤخذ من القول.
يبقى الإشكال فيما إذا وقع التعارض. هنا يأتي الأصوليون بقواعد أكثرها فاسدة، وإلا الأصل أنه يقال: الفعل هذا دليلٌ شرعي، والقول دليلٌ شرعي. وسلبُ الفعل بعد التعارض الشرعية وهي ثابتة قبل التعارض هذا تناقض، هذا كما ذكرناه في مفهوم المخالفة: المفهوم هل يقع مخصِّصًا أو لا؟
قبل أن يقع معارضًا هو دليلٌ شرعي تثبت به جماهير الأحكام، عشرات الأحكام ثابتة بدليل المخالفة، إذا وقع معارض يقال: لا. قُدِّم المنطوق فهو أقوى. حينئذٍ لا عبرة به، نقول: هذا تناقض، كما أثبتَّ به الأحكام الشرعية يبقى الوصف ثابتًا له قبل التعارض وبعد التعارض فلا فرق بينهما.
كذلك الفعل فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإجماع عند عدم التعارض محلٌ للتشريع، كذلك بعد التعارض.
قال هنا: {وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ وُجُوبِهَا أَوْ نَدْبِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا: فَالْقَوْلُ أَقْوَى لِصَرَاحَتِهِ} .
هذا لا إشكال فيه .. لا ننازع، لكن لا يلزم منه أن الفعل لا يؤخذ منه وجوبٌ أو ندبٌ بل نأخذ منه هذا وهذا ولا إشكال فيه.
والقوة ثابتة .. القوة لا ننازع فيها؛ لأننا نقول: الفعل والقول لا شك أن أحدهما أقوى، لكن إذا لم نجد مرجَّحًا، يعني: إذا التبست عليك هذه المسألة نظِّرها بالمتواتر والآحاد يعني: لو قال قائل: المتواتر أقوى ويفيد العلم، فما ثبت بالمتوتر مقدمٌ على ما ثبت بالآحاد؛ لأنه ظنيٌ، ويحتمل الراوي أنه قد أخطأ أو نسى .. إلى آخره، إذًا: لا نثبت الأحكام بالآحاد ونثبتها بالمتواتر. ما صح كلامه.
لو قال: عند التعارض مطلقًا أقدّم المتواتر للعلل السابقة وأُأَخر الآحاد للعلل السابقة ما صح، إذًا: نفس الكلام تقوله في القول والفعل ولا فرق بينهما البتة، والتفريقات التي عند الأصوليين كما ذكرتُ سابقًا عقلية، وأكثرها لا وجود لها في الواقع، ولذلك يقعِّدون قواعد ولا أمثلة لها البتة.