وَقِيلَ: الْمُقَدَّمُ هُوَ الْبَيَانُ قولًا كان أو فعلًا. يعني: في هذه المسألة .. الصورة السابقة.
ما تقدم من قوله آمِرًا القارنَ أن يطوف مرة -إن تقدم على الفعل- فهو البيان، وإن تقدم فعله بأن طاف مرتين وتأخر قوله بأن أمر مرة فهو البيان.
يعني: لا فرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؛ بأنه يحصل البيان بالمتقدم سواء اتفقا أم اختلفا، والله أعلم.
قال: (وَفِعْلُهُ نَدْبٌ، أَوْ وَاجِبٌ مُخْتَصُّ بِهِ) .
يعني: إذا قدمنا هنا -على ما رجحه المصنف- أنه أمر أن يطوف مرة واحدة، طيب وفِعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف مرتين، هل هو شرعٌ للأمة أو لا؟ قال: ليس بشرعٍ للأمة -نفى عنه-، حينئذٍ ما حكمه؟ قال: ندبٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو واجبٌ عليه.
كيف فِعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبيِّنًا لقوله: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ) [آل عمران:97] حِجُّ الْبَيْتِ هذا مُجمل كالصلاة، فالأصل في فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقع بيانًا لهذا المُجمل.
على كلٍ قال هنا: {وَفِعْلُهُ الَّذِي هُوَ طَوَافُهُ مَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ نَدْبٌ، أَوْ وَاجِبٌ مُخْتَصُّ بِهِ يَعْنِي: أَنَّ فِعْلَهُ الْمَذْكُورَ يُحْمَلُ حِينَئذٍ عَلَى النَّدْبِ، أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ الْمُخْتَصِّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُوَّةِ دَلالَةِ الْقَوْلِ} هكذا قال والله أعلم.
ثم قال: (وَيَجُوزُ كَوْنُ الْبَيَانِ أَضْعَفَ دَلَالَةً) يعني: لا يُشترط فيه القوة.
{وَيَجُوزُ كَوْنُ الْبَيَانِ أَضْعَفَ دَلالَةً مِنْ الْمُبَيِّنِ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ} .
يعني: قد يُبيَّن المُجمل القرآن من السنة ولو آحادًا، فالمعلوم المُجمل يُبيَّن بالمظنون يعني: كالخاص والعام.
وَيَجُوزُ كَوْنُ الْبَيَانِ أَضْعَفَ دَلالَةً مِنْ الْمُبَيَّنِ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِتَبْيِينِ السُّنَّةِ لِمُجْمَلِ الْقُرْآنِ.
وهذا كثير جدًا ولا حصر له؛ لأن البيان كالتخصيص فكما يجوز تخصيص القطعي بالظني كخبر الواحد وكالقياس، فكذلك يجوز بيان المعلوم بالمظنون ولا إشكال في ذلك؛ لأن البيان يتوقف على وضوح الدلالة لا على قطعية المتن.
قال: وَقِيلَ: لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ أَقْوَى.
وَقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي.
وكلاهما قولان ساقطان لا دليلٌ على واحدٍ منهما البتة.
(وَلَا تُعْتَبَرُ مُسَاوَاتُهُ فِي الْحُكْمِ) .
يعني: الواجب للواجب، والندب للندب. فرقٌ بين ما سبق.
ما سبق في الدليل نفسه قوة وضعفًا، وهنا المراد به ماذا؟ (لَا تُعْتَبَرُ مُسَاوَاتُهُ فِي الْحُكْمِ) يعني: المبيِّن يبيِّن مُجملًا قد وجب، حينئذٍ لا بد أن يتحدا في الحكم: واجب وواجب. لا، لا يُشترط.
قال: (وَلَا تُعْتَبَرُ مُسَاوَاتُهُ) أَيْ مُسَاوَاةُ الْبَيَانِ لِلْمُبَيَّنِ فِي الْحُكْمِ وَعَدَمِهِ.