قام زيد هذا في الزمن الماضي، فالأصل في وضع الفعل الماضي للدلالة على الزمن الماضي، لكن قد يخرج عن هذا الأصل فيُستعمل في المستقبل، لكنه على جهة العروض، يعني: يعرض له ذلك وليس على جهة الأصالة، ولذلك قال: (وَهُوَ مَاضٍ) يعني: يدل على زمن قد مضى وانقطع، فحينئذٍ يكون الاسم مستفادًا من زمنه الدال عليه.
(وَيَعْرِضُ لَهُ) عروضًا يعني شيء طارئ وليس بمستقر له (الاِسْتِقْبَالُ بِالشَّرْطِ) {نَحْوَ إنْ قَامَ زَيْدٌ قُمْتُ} قام زيد دل على الماضي، إن قام زيد قمتُ، متى؟ في المستقبل، إذًا قام في أصله دل على زمن مضى، لكن لما دخل عليه أداة الشرط وهو إن، حينئذٍ سُلب عنه الزمن الماضي، واستُعمل وأريد به الزمن المستقبل، لكنه ليس بحقيقة فيه، ولذلك قال: (مَاضٍ وَيَعْرِضُ لَهُ الاِسْتِقْبَالُ بِالشَّرْطِ) الاستقبال يعني: زمن المستقبل.
{نَحْوَ إنْ قَامَ زَيْدٌ قُمْت فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْمَاضِي. وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ} .
(وَمُضَارِعٌ) يعني: فعل مضارع .. النوع الثاني كيقوم ونحوه.
والأصل فيه أنه يدل على الحال والاستقبال عند الجمهور، ثم خمسة أقوال، أشهرها عند الجمهور: أن الفعل الماضي من حيث الزمن يدل على الحال والاستقبال، وهذا المشهور عند الجمهور.
حينئذٍ قال: (مُضَارِعٌ وَيَعْرِضُ لَهُ الْمُضِيُّ بِلَمْ) يعني: الماضي كما أنه استعمل في غير ما وضع له في الزمن وهو الاستقبال، كذلك المضارع والأصل فيه الحال والاستقبال قد يعرض له ما يجعله في الزمن الماضي، والصيغة التي تنقله إلى الزمن الماضي هي لم، لم يضرب زيدٌ عمرًا، متى؟ في الحال أو المستقبل؟ الجواب: لا، وإنما هو إخبار عن نفي الضرب في الزمن الماضي، يرد السؤال هنا: يضرب هذا فعل مضارع، والأصل فيه أنه يدل على الحال والاستقبال، كيف يدل على الزمن الماضي؟
نقول: هنا عارض، وسبب العروض هو دخول لم؛ لأنها تفيد قلب الزمن المضارع من الحال والاستقبال إلى المضي، ولذلك نقول: لم هذه حرف نفي وجزم وقلب، قلب ماذا؟ قلب زمن الفعل المضارع من الحال والاستقبال إلى الماضي، ولذلك قال: (مُضارعٌ وَيَعْرِضُ لَهُ الْمُضِيُّ بِلَمْ) {نَحْوَ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ. فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْحَالِ وَالاِسْتِقْبَالِ} على قول الجمهور، وإن كان الصحيح أنه للحال.
وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ, وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ الْمُضَارِعُ مَذَاهِبُ خَمْسَةٌ. الْمَشْهُورُ مِنْهَا: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالاِسْتِقْبَالِ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إلاَ أَنَّ الْحَالَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ.
زيد يصلي .. يصلي زيد، يعني: ليس ثم قرينة، فحينئذٍ يحمل على الحال.
{الثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ, مَجَازٌ فِي الاِسْتِقْبَالِ} وهذا أصح، ورجحه السيوطي في همع الهوامع شرح جمع الجوامع؛ لأن ما يُحمل على الاستقبال يحتاج إلى قرينة، ولذلك الفعل المضارع متى نقول هو للاستقبال؟ إن دخل عليه السين وسوف مثلًا، فحينئذٍ نقول: هذا يدل على الاستقبال، يتعين فيه الاستقبال.
وما افتقر إلى قرينة فرع عما لا يفتقر، وهذا هو حقيقة المجاز.