فهرس الكتاب

الصفحة 1308 من 1890

فالله جل وعلا تكلم بهذه الجملة وأراد حكمين: حكمٌ بالإثبات وحكمٌ بالنفي، وكلاهما مقصودان باللفظ، الأول في محل النطق والثاني من النطق الذي هو المفهوم.

وإنما فُهم من تخصيص الإنفاق بالحوامل أن المسكوت عنهن وهن غير الحوامل لستُن كذلك. يعني: بمفهوم المخالفة.

إذ لو كُن كذلك لما كان في تخصيص الحوامل بالذكر فائدة، ودلالة الإيماء مقصودة في محل النطق.

المفهوم لا في محل النطق وإنما من النطق، ودلالة الإيماء من محل النطق.

قوله: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) )أخذنا العلة من السارق والسارقة. دل على أن النطق دل على العلِّية.

فحينئذٍ العلة هنا وإن كانت مستنبطة من وجه إلا أنها منصوصة من وجه آخر.

قال: فدلالة الإيماء هنا مقصودة في محل النطق فقوله تعالى: (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) )يُقصد من منطوقه أن القطع من أجل السرقة، وهل هذا هو المفهوم؟ ليس كذلك المفهوم، المفهوم: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ) [الإسراء:23] ونأخذها بالمخالفة.

فتحصَّل أن الفرق بين المفهوم ودلالة الإيماء: كونها مفهومةً في محلٍ تناوله اللفظ يعني: من ذات اللفظ.

نُطقًا دونه، وكلاهما مقصودٌ -كلٌ منهم مقصود-: دلالة المفهوم وكذلك دلالة الإيماء والتنبيه.

إلا أن المفهوم مقصودٌ في محلٍ تناوله اللفظ غير نطقٍ -لم ينطق به- وهي مقصودة في محل تناوله اللفظ نطقًا.

إذًا: فرقٌ بين محل النطق وبين من النطق.

محل النطق يعني: اللفظ الذي نطق به.

ومن النطق يعني: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.

قال: (وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لاَ فِي مَحَلِّ نُطْقٍ) فصلٌ يخرج به المنطوق.

قال رحمه الله تعالى: {وَإِذَا كَانَ الْمَفْهُومُ فِي الأَصْلِ لِكُلِّ مَا فُهِمَ مِنْ نُطْقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْفَهْمِ} يعني: أراد أن يبيّن أن اللفظ المفهوم عام، لكن هم خصَّوه بما ذكر من أجل الاصطلاح أولًا.

{وَإِذَا كَانَ الْمَفْهُومُ فِي الأَصْلِ} يعني: الاستعمال اللغوي.

{لِكُلِّ مَا فُهِمَ مِنْ نُطْقٍ أَوْ غَيْرِهِ} يعني: حتى بالإشارة يُسمى مفهومًا، بالكتابة يسمى مفهومًا، باللفظ المفرد يسمى مفهومًا .. وهكذا.

لأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْفَهْمِ، لَكِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَفْهُومُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَى النُّطْقِ، لَكِنْ فُهِمَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بَلْ لَهُ اسْتِنَادٌ إلَى طَرِيقٍ عَقْلِيٍّ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْمَفْهُومِ مُطْلَقًا: هَلْ هُوَ بِدَلالَةِ الْعَقْلِ مِنْ جِهَةِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، أَمْ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

قَطَعَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْبُرْهَانِ بِالثَّانِي أي: من اللفظ فَإِنَّ اللَّفْظَ لاَ يُشْعِرُ بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا دَلالَتَهُ بِالْوَضْعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت