فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 1890

ثُم ما جاء استعماله من الصحابة هنا يجتمع فيه المعنى الشرعي، يعني: إذا قيل بأن اللغوي هو الذي دل على ذلك أو المعنى اللغوي ليس مراده أنه يستقل به دون الشرع، وإنما يُنظر إلى فهم السلف -وأعني بهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم-.

إن استدلوا -وقد استدلوا بالمفهومات-، حينئذٍ دل ذلك على أنه طريقٌ شرعي، وإذا دل على أنه طريقٌ شرعي حينئذٍ اجتمع عندنا دلالتان: دلالة لغوية وهي أصل، ودلالة شرعية وهي فرع. تلك أصلٌ يعني: أنها سابقة في الوجود قبل وجود الوحي.

ثم بعد ذلك فهم الصحابة يعتبر هنا حجة شرعية فيما اتفقوا عليه أنه يُستدل بالمفاهيم، ولذلك لم يختلفوا في كون المفاهيم تعتبر حجة وإن اختلفوا في بعض المسائل، والاختلاف في بعض الفروع -التي تندرج تحت أصلٍ- لا يستلزم رفع الأصل.

قال: {وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا: قِيَاسٌ جَلِيٌّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُلفَظْ بِهِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، قِيسَ الْمَسْكُوتُ عَلَى الْمَذْكُورِ قِيَاسًا جَلَّيَا، فَإِنَّهُ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ} يعني: مع نفي الفارق.

فَيَكُونُ قِيَاسًا شَرْعِيًّا لِصِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، كَمَا سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ.

وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلافِ: أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ دَلالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ جَازَ النَّسْخُ بِهِ.

على الخلاف: هل القياس يُنسخ به أو لا؟ فيه خلاف.

من نفى أن القياس يُنسخ به وقال بأن دلالة المفهوم -مفهوم الموافقة- قياسية منعَ النسخ بمفهوم الموافقة.

وعلى ما مر كذلك إذا قيل بأنه لا يُخص العام بالقياس، وإذا قلنا دلالة الموافقة دلالة قياسية رجعنا إلى ذاك وقلنا لا يُخص به.

وإذا قلنا دلالة لفظية جاز التخصيص به وجاز النسخ به.

إذًا: الخلاف جوهري وينبني عليه.

قال: (وَهُوَ) {أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ نَوْعَانِ}

(قَطْعِيٌّ) نسبة إلى القطع، وهو ما يقابل الظن يعني: يقيني.

(كَرَهْنِ مُصْحَفٍ عِنْدَ ذِمِّيٍّ) قطعي.

{احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ عِنْدَ الذِّمِّيِّ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ} لئلا يناله العدو.

إذًا: رهنُ القرآن عند الذمي داخلٌ فيه لكنه بمفهوم الموافقة.

{مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ فَهَذَا قَاطِعٌ} .

يعني: أمرٌ يقيني لا يحتمل الظن.

{وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الأَمْثِلَةِ، فَإِنَّهَا قَطْعِيَّةٌ} .

(( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ) [الإسراء:23] فحينئذٍ نقول: تحريم الضرب هذا من باب أولى فهو قطعيٌ.

إذًا: من مفهوم الموافقة ما هو قطعيٌ، وهذا فيه ردٌ على من قال بأن مفهوم الموافقة لا يكون إلا ظنيًا.

{وَالْقَطْعِيُّ كَوْنُ التَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى، وَكَوْنُهُ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْفَرْعِ، وَكَوْنُهُمَا قَطْعِيَّيْنِ} .

يعني: كلٌ منهم قطعيين، وهو كذلك.

(وَظَنِّيٌّ) وهو النوع الثاني وهو بعكس السابق: ما كان التعليل فيهما ظنيًا، وكونه أشد مناسبة للفرع ظنيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت