{وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هُنَا النَّعْتَ} كما هو اصطلاح النحويين {وَلِهَذَا مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } فجُعِل الغني صفة هنا، مع كونه مضافًا إليه.
{وَالتَّقَيُّدُ فِيهِ بِالإِضَافَةِ، لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَطْلُ الْكَائِنُ مِنْ الْغَنِيِّ، لا مِنْ الْفَقِيرِ} .
إذًا: المراد هنا ما دل على معنًى .. على صفة، وليس المراد به الصفة عند النحاة، فكل ما فُهِم منه معنى سواء كان مشتقًا أو لا .. نعتًا أو لا .. حالًا أو لا .. فحينئذٍ نقول: هذا إذا عُلِّق عليه الحكم الشرعي دل على أنه المعتبر من حيث المفهوم.
{وَقَدَّرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ فَقَالَ: مَطْلُ الشَّخْصِ الْغَنِيِّ، وَرَدَّهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ} .
وهذا لا إشكال فيه مطل الغني أي: الشخص الغني، وهذا كما تقول: جاء شاعرٌ وكاتبٌ، أو رأيت شاعرًا وكاتبًا. شاعر هذا في الأصل وصفٌ لموصوفٍ محذوف، لكن لم يعتبر عند النحاة وجُعل مفعولًا به أو فاعلًا إلى آخره، وإلا في الحقيقة هو صفة لموصوفٍ محذوف. وهذا شيءٌ مطرد.
وهذا مثله: أي: مطل الشخص الغني. هذا لا يؤثر في المعنى؛ لأنه لازم له، لأنه ليس عندنا غني ليس بشخص، وإنما هو لازمٌ له.
{وَمَثَّلَهُ أَصْحَابُنَا تَارَةً بِالْعِبَارَةِ الأُولَى، وَتَارَةً بِالثَّانِيَةِ, وَظَاهِرُ كَلامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ} .
قال في التحبير: وهذا الصحيح.
{وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرَا} .
إذًا: مؤبرًا حال وهو صفة، حينئذٍ حال والحال عندهم قيدٌ للعامل ووصفٌ للصاحب.
ولذلك عندهم قاعدة: أن الحال قيدٌ لعاملها ووصفٌ لصاحبها، وهي من المحترزات يعني: مما إذا عُلِّق الحكم عليه دل على أن انتفاء الحال دليلٌ على انتفاء الحكم: {مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرَا فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ} من باع نخلًا غير مؤبرٍ فالحكم يختلف.
إذًا: جاء مفهوم المخالفة.
قال: وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ لأَنَّهُ رَأْسُ الْمَفَاهِيمِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ عَبَّرَ مُعَبِّرٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَفَاهِيمِ بِالصِّفَةِ لَكَانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا؛ لأَنَّ الْمَعْدُودَ وَالْمَحْدُودَ مَوْصُوفَانِ بِعَدَدِهَا وَحَدِّهَا، وَكَذَا سَائِرُ الْمَفَاهِيمِ.
قال: (وَهُوَ حُجَّةٌ) {أَيْ مَفْهُومُ الصِّفَةِ حُجَّةٌ} تثبت به الأحكام الشرعية {عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ} .
(لُغَةً) {أَيْ: مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ اللُّغَةِ وَوضْعُ اللِّسَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ} .
وهذا هو الصحيح: أن المُعْتَبر في المفاهيم المنطوق والمفهوم إذا التبس عليك الخلاف فيه هل هو دلالة لغوية أو عقلية أو شرعية، حينئذٍ تنظر إلى التقسيم الأصلي.
قلنا: المنطوق والمفهوم هذا أقسامٌ للدلالة، قلنا: الدلالة تنقسم إلى منطوق وإلى مفهوم.