يعني: مفهوم الصفة لا يستلزم أن تبحث عن نص؛ لأن التقييد قد يكون في متصل باللفظ، وقد يكون في لفظٍ آخر.
هل تتوقف حتى تنظر هذا مقيد أو لا؟ قلنا: لا. لا في العام ولا في المطلق ولا في المجمل ولا في غيره.
(وَهُوَ فِي بَحْثٍ عَمَّا يُعَارِضُهُ كَعَامٍّ) {أَيْ كَاللَّفْظِ الْعَامِّ} فلا تتوقف فيه حتى تبحث عن معارض.
(وَمِنْهَا عِلَّةٌ) {أَيْ مِنْ الصِّفَةِ} من مفهوم الصفة، مما يدخل تحت الصفة علة وهو تعليق الحكم بالعلة {نَحْوَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لا شِدَّةَ فِيهِ لا يَحْرُمُ} .
وهو كذلك؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، بل إذا ارتفعت الشدة ارتفع الخمر.
{وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ} .
يعني: يريد أن يفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم العلة؛ لأن قوله: (وَمِنْهَا) أي: من الصفة، هل هما سِيّان أو بينهما فرق؟ قال: لا. بينهما فرقٌ.
العلة أخص من مفهوم الصفة؛ لأن قول القائل: في الغنم السائمة زكاة، فإن الوصف فيه هو السوم تتميم للمعنى الذي هو علته، إلا أن الخلاف في أحدهما كالخلاف في الآخر. هذا ما ذكره هنا.
قال بعضهم: الفرق بينه وبين مفهوم الصفة: أن الصفة قد تكون تكملة العدد لا محله، وهي أعم من العلة؛ فإن الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم وإلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما وجبت لنعمة الملك وهو مع السوم أتم منها مع العدد.
إذًا: أيهما أعم وأيهما أخص؟ الصفة أعم من العلة؛ لأن العلة تكون ملازمة، وهي مكملة، وأما الصفة قد تكون أعم من ذلك.
قال هنا: {وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ} يعني: من مفهوم الصفة؛ لأن الوصف قد يكون متممًا أو تتميمًا للعلة كالسوم.
قال هنا: (وَظَرْفٌ) يعني: {وَمِنْهَا ظَرْفٌ} يعني: ظَرْفُ زمان أو ظَرْفُ مكان.
{نَحْوُ: (( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات ) )} إذًا أشهُر هذا ظرف له مفهوم .. مفهوم مخالفة.
قال: { (( إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) )} لا من يوم الخميس.
{وَظَرْفُ مَكَان (( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) )} لا عند غيره {وَكِلا الظَّرْفَيْنِ حُجَّةٌ} .
(وَحَالٌ) يعني: ومن الصفة (حَالٌ) {نَحْوُ: (( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) )} إن لم تكونوا عاكفين فالأصل فيه الحل.
ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ، وَقَالَ: إنَّهُ كَالصِّفَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَنَّ الْحَالَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى قُيِّدَ بِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
إذًا: جعَل العلة والظرف والحال داخلة في الصفة. وهو كذلك لأن ثَم قدرًا مشترك وهو دلالته على المعنى.
قال: الْقَوْلُ الثَّانِي هنا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ حجة أم لا؟
ذهب فيما سبق أنه حجة.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ بِأَنْوَاعِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا.