قال: وَكَالأُولَى وَهِيَ الصِّفَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَامِّ، كَقَوْلِهِمْ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، الصِّفَةُ الْعَارِضَةُ الْمُجَرَّدَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ لأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ فِيهَا مَحْذُوفٌ.
وهذا جرى على لسان العرب ولا إشكال فيه.
لكن ليست الأولى كالثانية، ولا الثانية كالأولى في القوة. ولا إشكال في ذلك.
ولذلك قال: (وَالْأُولَى أَقْوَى دَلَالَةً) .
لا شك أن الموصوف مع صفته إذا نُطق بهما أقوى مما لو حُذِف أحدهما. يجوز حذف الموصوف دون الصفة والعكس، لكن هل هما سيّان في المعنى؟ الجواب: لا.
لأن ما نُطِق أقوى مما دل عليه بالمفهوم، وهذا واضحٌ بيِّن.
{وَالأُولَى أَقْوَى دَلالَةً فِي الْمَفْهُومِ؛ لأَنَّ الأُولَى وَهِيَ الَّتِي الْمِثَالُ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِالْعَامِّ كَالنَّصِّ} بل هي نص {بِخِلاَفِ هَذَا} لأنه لم يُذكر.
قال: (وَالثَّانِي) {مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ السِّتَّةِ: التَّقْسِيمُ} .
يعني: إذا جاء التقسيم بين شيئين في الشرع يدل على أن الثاني مخالفٌ للأول، فالأول أخرج مفهوم الثاني والثاني أخرج مفهوم الأول.
(( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ) [الحشر:7] هذا من التقسيم.
كَقوله: (الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ) .
قسَّم .. دل على أن الأولى لها حكمٌ بالمنطوق يخالف مفهوم الأخرى.
قال: (كَالْأَوَّلِ قُوَّةً) يعني: هُوَ كَالأَوَّلِ أَيْ: فِي الْقُوَّةِ ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ تَقْسِيمَهُ إلَى قِسْمَيْنِ، وَتَخْصِيصَ كُلِّ وَاحِدٍ بِحُكْمٍ، يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ الْقِسْمِ الآخَرِ.
وهو كذلك ولسان العرب يدل على ذلك.
{إذْ لَوْ عَمَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ فَائِدَةٌ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ} .
لو كان الحكم مستويًا في النوعين: البكر والثيب، ما الداعي إلى أن يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الثيبُ والبكرُ؟ حينئذٍ قابل بينهما إما هذا وإما ذاك.
إذًا: التقسيم يدل على أن بينهما مخالفة في الحكم. ودليل ذلك: لغة العرب تدل على ذلك.
قال: (وَالثَّالِثُ) {الشَّرْطُ} يعني: من أقسام مفهوم المخالفة.
والمراد بالشرط هنا الشرط اللغوي، ويكاد أن يكون فيه اتفاق وإن كان فيه نزاع عند المتأخرين.
{وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا عُلِّقَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ، مِثْلَ إنْ وَإذَا وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ، لا الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ} .
{وَذَلِكَ كَقوله تعالى: (( إنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) )} فيه مفهوم مخالفة بعدم إيجاب النفقة على من لم تكن حاملًا.