{وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى الْمَنْعِ} .
وقال: هو نطقٌ بما قبل الغاية، وسكوتٌ عما بعدها فيبقى على ما كان عليه.
هذا ما يقول به عربي.
(وَالْخَامِسُ الْعَدَدُ) .
وَالْخَامِسُ مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الْعَدَدُ.
وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ وسبق أنه لغير المبالغة -لا بد من هذا القيد-، (( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ) )ثمانين مقصودة؟ لا أقل ولا أكثر، هل يجوز أن يُنقِص جلدة واحدة؟ لا. يزيد؟ لا يزيد إلا من باب التعزير، وأما من باب الحد فلا يجوز.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَدَاوُد وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ سُلَيْمٌ مِنْهُمْ: وَهُوَ دَلِيلُنَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَالتَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ.
جاءت خمس إذًا: لا أربع.
وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ هُوَ الْعُمْدَةُ عِنْدَنَا فِي تَنْقِيصِ الْحِجَارَةِ فِي الاسْتِنْجَاءِ مِنْ الثَّلاثَةِ، وَنَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ, وَالْقَوْلُ بِهِ أَصَحُّ؛ لِئَلاَّ يَعْرَى التَّحْدِيدُ بِهِ عَنْ فَائِدَةٍ وهو كذلك.
الأصل فيه أن العدد معتبر، وأما قول بعض أهل العلم: العدد لا مفهوم له. ليس مطلقًا .. الصواب أنه ليس مطلقًا، وإنما في بعض المواضع قد يقال بأنه لا مفهوم له، وإلا التسبيح ثلاثًا وثلاثين بعد الصلوات هذا له مفهوم أو لا؟ له مفهوم.
إذًا: الأصل اعتباره، إن دل الدليل على عدم اعتباره خرج.
حينئذٍ نقول: الأصل فيه الاعتبار، وإلا رُتِّب عليه حكمٌ دل على أنه معتبر، وهذا كما في حديث القُلتين، القلتين دل على العدد بالاسم: مثنى .. دل على الاثنين هذا تحديد. دل على أنه دون القلتين له حكمٌ مخالف لما بلغ القلتين وهو كذلك .. وهو معتبر.
ثم له وجهٌ آخر وذكره الشوكاني في وبل الغمام: أنه مفهوم شرطٌ، إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث.
قال بعض المعاصرين: لو كان مفهوم شرطٍ لدخلت الفاء. وهذا جهلٌ باللغة؛ لأنه مثل هذا لا يستلزم دخول الفاء، ليست من المواضع السبعة أو الثمانية التي تدخل الفاء في جواب إذا .. ليس منها لم، وإنما ذاك في لن، فَفَهِم أن لن للنفي ولا بد من أن"لم"مثلها! هذا غلط.
الصواب أن ما قاله الشوكاني مقدَّم هنا وهو أن هذا المفهوم له جهتان. يعني: اجتمع عندنا مفهومان، أولًا مفهوم العدد. وهذا نازع بعضهم في الاحتجاج بالدليل بأن المفهوم ليس بحجة إلى آخره.
والصواب أنه حجة ومعتمد، ثم هذا ليس كالعدد الذي نازع فيه بعض الأصوليين، العدد مثل ثلاثة وسبعة وخمسة، لكن ما دُل عليه بالتثنية فهو مقصودٌ نصًا، فليس داخلًا فيما نحن فيه. فرْقٌ بين هذا وذاك.
ثانيًا: هو مفهوم شرط: إذا .. لم يحمل الخبث، هذا مثل: (( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ) ) [الطلاق:6] هذا معتبر، وهذا باتفاق أهل اللغة، وإنما وقع نزاع عند المتأخرين.