إذًا: أَورد مثالًا في لسان العرب دل على الحصر وهو قوله: إنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ. يعني: قلبَه ولسانَه، حينئذٍ يُنفى المرء أو كمالُه إذا انتفى أحدُ هذين الأمرين.
{ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَهُمْ طُرُقٌ فِي إفَادَتِهَا الْحَصْرَ} الكلام للبرماوي.
{لَهُمْ طُرُقٌ فِي إفَادَتِهَا الْحَصْرَ} يعني: أهل اللغة {أَقْوَاهَا نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ واسْتِقْرَاءُ اسْتِعْمَالاتِ الْعَرَبِ إيَّاهَا فِي ذَلِكَ} .
{لَهُمْ طُرُقٌ فِي إفَادَتِهَا الْحَصْرَ} يعني: في إثبات أنَّ إِنما تدل على الحصر.
أقوى هذه الطرق: نقلُ أهل اللغة؛ لأن المسألة لغوية، فإذا حكم أئمة اللغة على أنَّ إِنما تفيد الحصر، فحينئذٍ حكمُه مقدَّمٌ على غيره، وهذا الحكم من أين أخذوه؟ هل هو هكذا من العقل ابتداءً أم أنه باستقراء كلام العرب؟
قال: {واسْتِقْرَاءُ اسْتِعْمَالاتِ الْعَرَبِ إيَّاهَا فِي ذَلِكَ} .
يعني: نظروا في كلام العرب فوجدوا أنَّ إِنَّما تفيد الحصر، وإذا كان كذلك فقوله مقدمٌ على غيره.
{وَأَضعَفُهَا} أي: أضعف هذه الطرق {طَرِيقَةُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعِهِ} كالبيضاوي، وهو يعني: هذا الطريق: {أَنَّ إنَّ لِلإِثْبَاتِ وَمَا لِلنَّفْيِ, وَلاَ يَجْتَمِعَانِ} .
الإثبات والنفي لا يجتمعان، فقال: زِيدت ما النافية على إن. انظر! أولًا اعتمد أن ما نافية، حينئذٍ جعل ما للنفي، وإن للإثبات، ومعلومٌ أن الحصر هو إثباتٌ ونفي، فجعل إن للإثبات وما للنفي.
فحينئذٍ يرد السؤال: نحن نقول: الحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. النفي من أين جاء هذا؟ عند الرازي وأتباعه جاء من: أنَّ ما هنا ليست كافة وإنما هي نافية، كافة زائدة تكون .. لا تدل على معنى وإنما هي نافية.
حينئذٍ الكلمة مركبة من كلمتين: إن وما، فصُرفت إن لإثبات المذكور، وما لنفي ما لم يُذكَر.
قال: {وَلا يَجْتَمِعَانِ فَيُجْعَلُ الإِثْبَاتُ لِلْمَذْكُورِ وَالنَّفْيُ لِلْمَسْكُوتِ} .
هذه طريقة الرازي وأتباعه.
{وَرُدَّ بِمَنْعِ كُلٍّ مِنْ الأَمْرَيْنِ} .
ما هما الأمران؟ أن إن للإثبات، وما للنفي.
لأن إن ليست للإثبات هكذا مطلق الإثبات وإنما هي لتوكيد النسبة، ولذلك هي تؤكد الجملة ولا تؤكد المبتدأ دون الخبر ولا الخبر دون المبتدأ.
لذلك نقول: زيدٌ قائمٌ، زيد مبتدأ موضوع، وقائمٌ هذا خبر وهو محمول والنسبة الارتباط بينهما.
حينئذٍ جاءت إنَّ لتوكيد إثبات القيام لزيد، هذا مدلول النسبة.
إذًا: لم تؤكد مفردًا، لم تؤكد المبتدأ وحده ولا الخبر وحده، وإنما أكدت نسبة الخبر للمبتدأ.
إذًا: قول الرازي إنها للإثبات فيه نظر، وإنما هي لتوكيد النسبة. والمراد بالنسبة ما مر معنا في التصورات الأربعة.
{نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا نَحْوَ: إنَّ زَيْدًا قَامَ} هذا فيه توكيد للنسبة في الإثبات.
{وَإِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ} نفيُ الحكم، الحكم تارة يكون بالإثبات وتارة يكون بالنفي.
والتوكيد لكلٍ منهما، كما أنه يؤكَّد الإثبات كذلك يؤكَّد النفي فلا إشكال فيه.
قال: {وَمَا كَافَّةٌ} هذا الأول، أن إن الإثبات مردود.