قال: {وَمَا كَافَّةٌ لاَ نَافِيَةٌ عَلَى الْمُرَجَّحِ} يعني:"ما"في"إنما"هي حرفٌ زائد وتسمى الكافة المكفوفة.
{وَبِتَقْدِيرِ التَّسَلُّمِ: فَلا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُ الْمَعْنَى فِي حَالَةِ الإِفْرَادِ أَوْ حَالَةِ التَّرْكِيبِ} .
يعني: لو سُلِّم بأنَّ"إنَّ"قبل التركيب للإثبات، وأنَّ"ما"قبل التركيب للنفي.
مر معنا قاعدة بالأمس: أنه قبل التركيب لا يستلزم أن يستمر الحال كذلك بعد التركيب، حينئذٍ لو سُلِّم للرازي بأن إن للإثبات قبل التركيب وما للنفي، لكن جُعلت بعد ذلك كالكلمة الواحدة وأفادت الحصر.
حينئذٍ النظر باعتبار الأصل لا باعتبار الحال، وبحثنا في إنما باعتبار الحال. وهذا على جهة التسليم فقط.
{قَالَ السَّكَّاكِيُّ: لَيْسَ الْحَصْرُ فِي إنَّمَا لِكَوْنِ مَا لِلنَّفْيِ، كَمَا يَفْهَمُهُ مَنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلَى النَّحْوِ يريد الرازي وأتباعه لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ لَكَانَ لَهَا الصَّدْرُ} .
وإنما هي كافة يعني: كفَّت إنَّ عن العمل. -السكاكي عنده الرازي ليس من أهل النحو والله المستعان، وهذه بلية-.
{لَيْسَ الْحَصْرُ فِي إنَّمَا لِكَوْنِ مَا لِلنَّفْيِ} وتفسيره يقولون للكتاب: نحو {كَمَا يَفْهَمُهُ مَنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلَى النَّحْوِ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ لَكَانَ لَهَا الصَّدْرُ} .
يعني: إنما هي كافة والصحيح أنها كافة.
قال: {ثُمَّ حَكَى عَنْ الرَّبَعِيِّ: أَنَّ إنَّ لِتَأْكِيدِ إثْبَاتِ الْمُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ} توكيد النسبة كما مر {وَمَا مُؤَكِّدَةٌ فَنَاسَبَ مَعْنَى الْحَصْرِ} .
هذا فيه نظر كذلك؛ لأنه يلزم منه أن توكيد المؤكَّد أنه يفيد الحصر وليس الأمر كذلك.
يعني: إنَّ للتوكيد وجاءت بعد ذلك ما مؤكِّدة، وتوكيد التوكيد يناسب الحصر وليس الأمر كذلك.
ولذلك قالوا: فيه نظر؛ إذ لا يلزم الحصر بحصول تأكيدٍ على تأكيد نحو: قام القوم كلهم أجمعون. هنا حصل توكيدٌ بعد توكيد، هل فُهِم منه الحصر؟ الجواب: لا.
إذًا لا يلزم من تأكيد التأكيد أن يدل على الحصر، فكون إنَّ للتوكيد، ثُم"ما"للتوكيد. لا يلزم منه الحصر.
إذًا: هذا ما ذكره رحمه الله تعالى بناءً على الخلاف في إنما.
قال: {دلِيلُ الْقَائِلِ بِالْحَصْرِ: تَبَادُرُ الْفَهْمِ بِلا دَلِيلٍ} .
تَبَادُرُ الْفَهْمِ .. ومعلوم أن الشيء إذا تبادر للفهم هو علامة الحقيقة، حينئذٍ إذا فُهم اللفظ ابتداء والفهم هنا ليس لكل أحد وإنما لأئمة اللغة.
ولذلك قدَّم أن أقوى الأدلة في إثبات الحصر إنما هو نقل أئمة اللغة .. أصحاب اللسان العربي الفصيح فهموا ذلك من التراكيب وبعد الاستقراء.
حينئذٍ تبادُر الفهم بلا دليلٍ لإثبات الحصر؛ لأن الذي يفتقر إلى دليل فرعٌ عما لا يفتقر، فصار حينئذٍ الوضع دالًا على أن إنما تفيد الحصر.
{وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما عَلَى إبَاحَةِ رِبَا الْفَضْلِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } فخصَّ المذكور هنا بكونه ربا، الفضل لم يُذكر إذًا: نُفي عنه بالمفهوم، هكذا قيل عن ابن عباس.