إذًا: نحن نقول: لا نعلل بالحكمة، لماذا؟ لأنها غير منضبطة، إذًا: هذا تعليل للحكم، ما هو الحكم؟ عدم التعليل بالحكمة، ما هي العلة؟ لعدم انضباطها. يلزم منه أنها إن كانت منضبطة عُلِّلَ بها، وهذا هو الصحيح: أنها إذا كانت منضبطة عُلِّلَ بها.
لكن اختار المصنف هنا على ما اشتهر في المذهب: أنه (لَا يُعَلَّلُ بِحِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ وَصْفٍ ضَابِطٍ لَهَا) لأن المسألة هنا مفروضة في ماذا؟ فيما سبق قلنا: في وصفٍ ترتبت عليه حكمة، هنا في حكمة مجردة عن الوصف. يعني: ليس عندنا في تعليق الحكم على علة إلا هذه الحكمة.
حينئذٍ إذا لم نعلّق الحكم على هذه الحكمة نحتاج إلى التعليل وليس ثَم تعليل، ولكن بناءً على مذهبهم أن العلة مجرد أمارة فيكفي أدنى ما يمكن أن يتعلق به الحكم الشرعي، لكن بناءً على ما سبق إما أن يكون وصفًا مشتملًا على حكمة، فحينئذٍ واضح أنه يُعلَّل به، إن لم يكن وصف وعندنا حكمة نقول: إن كانت منضبطة صح التعليل بها وهو الصحيح.
قال: {وَجْهُ الأَوَّلِ -وَهُوَ كَوْنُ التَّعْلِيلِ لا يَصِحُّ بِالْحِكْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ مُطْلَقًا- لِخَفَائِهَا، كَالرِّضَا فِي الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ أُنِيطَتْ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالصِّيَغِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ} قبول وإيجاب، والرضا هذا خفي، وقد يكون مكرهًا ونحو ذلك .. قد لا يظهر.
حينئذٍ عُلِّق الحكم بالصيغة، وهذا لا شك فيه أن الرضا خفيٌ. فحينئذٍ لا يُعلَّق الحكم هنا ونسلِّم بهذا ولا إشكال فيه.
{وَلِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا كَالْمَشَقَّةِ فَلِذَلِكَ أُنِيطَتْ بِالسَّفَرِ} .
وهذا نسلِّم به، ويلزمه أنه إذا انتفى الأمران صح التعليل؛ لأنه قال: كون التعليل لا يصح لخفائها، وهل كل حكمة خفية؟ الجواب: لا.
إذًا:"لخفائها"هذا احترازٌ عن ظهورها.
ثم قال:"لعدم انضباطها"هل كل علة غير منضبطة؟ لا.
إذًا: يلزم من هذا أنه إذا كانت ظاهرة منضبطة أنه صح التعليل بها، هذا لازمٌ له.
{قَالَ الآمِدِيُّ: مَنَعَهُ الأَكْثَرُ} .
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ) .
{يَعْنِي: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ بِالْعَدَمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا} كبيع الآبق باطلٌ، هذا حكمٌ، ما العلة؟ قال: لعدم القدرة على التسليم.
قال: (وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ) بيع الآبق باطلٌ. هذا حكمٌ ما العلة؟ قال: لعدم القدرة على التسليم، إذًا: علَّل بعدم.
قال المصنف: (وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ) {أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ} كبيع الآبق باطل بِالْعَدَمِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ.
وَحُكِيَ الْمَنْعُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا.
على كلٍ: حُكي المنع عن الحنفية.
{وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ} عند المصنف {بِأَنَّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهِ} يعني: يجوز أن يأتي الشارع فيعلِّل بالعدم، كالمسألة السابقة، وما جاز شرعًا جاز أن يُستنبط، إذا لم يمنع العقل ورود الشرع بشيءٍ ما جاز أن يكون علة مستنبطة.