يعني: أنه إذا جاز أن ينص الشارع في التعليل -بالعدم يعني- جاز أن يُستنبط بالدليل ويُعلَّق الحكم عليه كالإثبات، فلا فرق بينهما.
قال: {وَكَالأَحْكَامِ تَكُونُ نَفْيًا} يعني: تترتب على العلل، معلومٌ أن الحكم تارة يكون نفيًا وتارة يكون إثباتًا، والحكم مرتبٌ على العلة، كذلك العلة تارة تكون بالإثبات وتارة تكون بالنفي وهو العدم.
إذًا: لا فرق بين الحكم المنفي والعلة المنفية التي هي عدم، لا فرق بينها.
كما جوَّزنا أن الحكم الشرعي تارة يأتي بالإثبات وتارة يأتي بالنفي وهو العدم، لا مانع أن نقول بأن العلة كذلك؛ لأن الأحكام مُناطة بالعِلل، حينئذٍ كما جوَّزنا الثبوت والنفي في الحكم كذلك في العلة.
{وَكَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ} .
العلة العقلية يعني: يجوز أن تكون نفيًا، وكذلك العلة الشرعية. يعني: العلة العقلية تكون عدمًا ومثلها العلة الشرعية، ومر معنا أن القياس الشرعي له ارتباطٌ من حيث التأصيل بالقياس المنطقي، والعلة كالعلة.
قال هنا: {وَكَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ} يعني: يجوز أن تكو نفيًا {مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ} .
فأولى أن تكون العلل الشرعية نفيًا وهي موجبة للظن.
يعني: العلة العقلية موجبةٌ يعني: قاطعة.
وجاز التعليل فيها بالعدم، حينئذٍ ما كان يفيد الظن فمن باب أولى أن يعلَّل بالعدم.
{وَكَتَعْلِيلِ الْعَدَمِ بِهِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا، نَحْوَ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا لِعَدَمِ الدَّاعِي إلَيْهِ، وَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَى فُلانٍ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ؛ لأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ لِنَفْيِ مُقْتَضِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْيِهِ لِوُجُودِ مُنَافِيهِ؛ وَلأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ضَرْبِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِعَدَمِ امْتِثَالِهِ} كل هذا واضح ولا إشكال فيه، مسلَّمٌ.
{وَلأَنَّ الْعِلَّةَ أَمَارَةٌ تُعَرِّفُ الْحُكْمَ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَدَمِيَّةً، كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وُجُودِيَّةً} .
وهذا لا نسلِّم؛ لأنه مبنيٌ على أصل فاسد، وما بُني على أصل فاسد يُلحق به.
إذًا: ذهب المصنف هنا إلى أنه يُعلَّل ثبوتيٌ بعدمٍ، والمسألة وقع فيها خلافٌ بين الأصوليين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا فصل الخطاب، وهو أن قياس الدلالة يجوز أن يكون العدم فيه علة وجزءًا من علة؛ لأن عدم الوصف قد يكون دليلًا على وصفٍ وجودي يقتضي الحكم، وأما قياس العلة فلا يكون العدم فيه علةً تامة لكن يكون جزءًا منها.
هذا فصل الخطاب عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن التعليل بالعدم يجوز أن يكون في قياس الدلالة؛ لأن العدم يكون دليلًا على العلة وليس هو عين العلة.
قال: بأن قياس الدلالة يجوز أن يكون العدم فيه علةً وجزءًا من علة؛ لأن عدم الوصف قد يكون دليلًا على وصفٍ وجودي يقتضي الحكم، وأما قياس العلة فلا يكون العدم فيه علةً تامة لكن يكون جزءًا منها.
قال هنا: {وَيَدْخُلُ فِي الْخِلاَفِ مَا إذَا كَانَ الْعَدَمُ لَيْسَ تَمَامَ الْعِلَّةِ، بَلْ جُزْءًا مِنْهَا} وهو الذي عناه شيخ الإسلام فيما مرَّ فَإِنَّ الْعَدَمِيَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلاًّ أَوْ بَعْضًا.