وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَدَمِيِّ أَيْضًا: إذَا كَانَ الْوَصْفُ إضَافِيًّا، وَهُوَ مَا تَعَلَّقَهُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ، كَالْبُنُوَّةِ وَالأُبُوَّةِ، وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ يعني: الأبوة لا يُفهم إلا بالبنوة والعكس، إذا قيل متقدِّم لا يُفهم إلا بالتأخُّر والعكس.
{وَالْمَعِيَّةِ وَالْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ عَدَمِيٌّ؛ لأَنَّ وُجُودَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الأَذْهَانِ، لا فِي الْخَارِجِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَدَمِيٌّ} .
إذًا: على كلامه، الخلاصة هنا فيما ذكره سابقًا (وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ) قال شيخ الإسلام: والظاهر أنه لا يكون في قياس العلة وإنما يكون جزءًا من العلة، وإنما يكون معلَّلًا به في قياس الدلالة.
وهذا مذهب أكثر الأصوليين .. أكثر الأصوليين على المنع.
ولذلك قال هناك في تشنيف المسامع: والحاصل أن أكثر الأصوليين على أنه لا يُعلَّل الثبوتي بالعدمي؛ لأن العدم ليس بشيء، فلا يُجعل أمارة لشيء أو وصفًا مشتملًا على حكمٍ يقتضيه ذلك الوصف.
فالأكثرون على المنع؛ لأنه لا يناسب الحكم ولا يُشعر به. هو عدمٌ العدم ليس بشيء، فكيف يُشعِر بالحكم؟ كيف نقول: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا وهو معدومٌ أصلًا؟
فإن المناسبة ما تقتضيه مصلحة عادة، والعادة مطردة في أن الإنسان لا يقنع بالنفي المحض، ووجَّهَه بعض الجدليين بأن العدم طردٌ والتعليل بالطرد ممتنع.
قال الآمدي: المختار أن العدم لا يصلح أن يكون علة بمعنى الباعث.
قال الزركشي: فإن الإمام -يعني: الرازي- بناه على رأيه؛ أن العلة بمعنى المعرِّف وهو بهذا التفسير لا ينبغي أن يقع فيه خلاف.
إذا كانت مجرد تعريف -يقول الزركشي- لا ينبغي أن يقع فيه خلاف؛ لأنه مجرد ربط شيء بشيءٍ آخر.
قال: لا ينبغي أن يقع فيه خلاف؛ إذا لا امتناع في أن يكون العدم علة للموجود، والآمدي بناه على أنها بمعنى الباعث.
إذًا: من بيَّن أو فسَّر العلة بأنها الوصف المشتمل لزِمه أن يمنع التعليل بالعدم؛ لأنه ليس بشيء، ومن جعل المعرِّف أنه هو علة دون نظرٍ إلى الوصف المشتمل على حكمة مقصودة من التشريع حينئذٍ لا مانع عنده أن يُجعَل الوجود علامة على العدم أو العكس، يُجعل العدم علامة على وجود الحكم.
قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ، مِنْ شُرُوطِهَا) {أَيْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ} .
(أَنْ لا تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَلَا جُزْأَهُ الْخَاصَّ) وهذان: محل الحُكم، أو جزءه الخاص قيل: لا يكونان إلا في العلة القاصرة.
المصنف أحيانًا يقدِّم ويؤخِّر بعض المسائل والأولى تقديمها، يعني: لو بيَّن أولًا العلة القاصرة ما هي، والعلة المتعدية ما هي. ثُم ذكر هذه المسألة أولى؛ لأن هذه قيل كما قال الزركشي: لا فرق بينها وبين العلة القاصرة.
على كلٍ قال: (مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ لاَ تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ) وهذا من صور التعليل بالعلة القاصرة.
والمراد بمحل الحكم الذي يثبُت فيه الحكم.
(وَلَا جُزْأَهُ) يعني: ولا جزء ماهية محل الحكم.
إذًا: لا يصح التعليل بمحل الحكم، ولا يصح التعليل بجزء ماهية الحكم. إذًا: لا كلًا ولا بعضًا.