قال: (وَلَا جُزْأَهُ) {أَيْ جُزْءَ مَحَلِّ الْحُكْمِ الْخَاصِّ} يعني: لا المشترك عِنْدَ الأَكْثَرِ.
وَجَوَّزَ قَوْمٌ مِنْ الْعِلَلِ الْقَاصِرَةِ لعلَّه: من جوَّز القول بالعلل القاصرة جوَّز {كَوْنَ الْعِلَّةِ مَحَلَّ الْحُكْمِ أَوْ جُزْءَ مَحَلِّهِ} لأنها لازمان.
ولذلك قال هناك في التشنيف: وهذان محل الحكم أو جزءه الخاص لا يكونان إلا في العلة القاصرة، فمن جوَّز القول بالعلة القاصرة جوّز أن تكون العلة محل الحكم أو جزءه. فيُنظر إليه .. المعنى واضح.
قال هنا: {فَمِثَالُ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْحُكْمِ: قَوْلُنَا الذَّهَبُ رِبَوِيٌّ؛ لِكَوْنِهِ ذَهَبًا} .
"الذهب ربويٌ"محل الحكم: الذهب، كما قلنا: الخمر حرام للإسكار، محل الحكم هو الخمر عينها، هنا كذلك: هل يصح أن نجعل الخمر هي علّة الحكم؟ هذا محل النزاع.
هل يصح -إذا قلنا الذهب أنه ربويٌ- هل يصح أن نجعل محل الحكم الذي هو الذهب عينُه بنفسه بذاته هو علَّة الحكم؟ هذا محل النزاع.
قوله: {فَمِثَالُ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْحُكْمِ: قَوْلُنَا الذَّهَبُ رِبَوِيٌّ؛ لِكَوْنِهِ ذَهَبًا} فإن عِلَّة ذلك الحكم ذلك المحل.
{وَالْخَمْرُ حَرَامٌ، لأَنَّهُ مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ مِنْ الْعِنَبِ} .
فهو علَّة حرمة الخمر كونه معتصرًا، هذا المثال الثاني فيه نظر، وإنما يقال: والخمر حرامٌ؛ لأنه خمرٌ، كالسابق، أما كونه لأنه مسكرٌ هذه علته الأصلية.
{لأَنَّهُ مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ مِنْ الْعِنَبِ} نقول: ليس محل الحكم، وإنما الخمر هو عينه محل الحكم.
قال: {وَمِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءَ مَحَلِّ} وجزء سيأتي {وَمِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءَ مَحَلِّ الْحُكْمِ الْخَاصِّ بِهِ: كَالتَّعْلِيلِ بِاعْتِصَارِهِ مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ} هو ذلك.
فحينئذٍ اعتصاره هذا جزءٌ من المحل؛ لأن الخمر كيف يوجد؟ يوجد بالاعتصار، إذًا: هو جزءٌ منه، وهذا كمن علَّل بأن الحدث هو خروج الخارج وليس هو عين الخارج، فرقٌ بين الخارج نفسه وبين الخروج.
إن قلت الخروج باعتبار الخارج حينئذٍ قيَّدت قلت: لا نبطل الوضوء إلا بعين الخارج .. ليس مطلق الخروج، وإن قلت: بأن العلة هي الخروج حينئذٍ سواء كان نجسًا أو طاهرًا .. معتادًا أو غير معتاد، صار ناقضًا.
ومع كون الخروج الذي هو فعل الفاعل فهو جزءٌ من الفعل، فحينئذٍ نقول: هذا جزءٌ من المحل وليس هو كل المحل، وإذا قيل: بأنه مركبٌ من الخارج والخروج حينئذٍ اجتمع فيه الوصفان.
قال هنا: {وَمِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءَ مَحَلِّ الْحُكْمِ} يعني: جزءًا من الخمرة وهو إيجادها، كيف وُجِدت؟ قال: {كَالتَّعْلِيلِ بِاعْتِصَارِهِ مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ} .
{وَقَيَّدْنَا الْجُزْءَ بِالْخَاصِّ تَحَرُّزًا مِنْ الْمُشْتَرَكِ} يعني: الجزء العام بَيْنَ الْمَحَلِّ وَغَيْرِهِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُتَعَدِّيَةِ، كَتَعْلِيلِ إبَاحَةِ الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ.
وعقد المعاوضة ليس خاصًا بالبيع، وإنما يشمل البيع وغيره، عقد المعاوضة من حيث إنها جنسه جزءٌ له، لا يختص به، هو عقده.