قال: {فَإِنَّ جُزْأَهُ الْمُشْتَرَكَ، وَهُوَ عَقْدُهُ الَّذِي هُوَ شَامِلٌ لِلْمُعَاوَضَةِ وَغَيْرِهَا لا يُعَلَّلُ بِهِ} .
إذًا: لا نعلِّل البيع لكونه عقد معاوضة؛ لأن عقد المعاوضة وإن كان جزءًا من البيع .. لا يتم البيع إلا بالعقد، لكنه جزءٌ خاصٌ لا يوجد في غير البيع أو أنه جزءٌ يشمل البيع وغيره؟ الثاني. إذًا: جزءٌ مشترك، هذا محل وفاق أنه لا يعلَّل به، وإنما وقع النزاع في التعليل بالجزء الخاص.
إذًا: قال المصنف: (مِنْ شُرُوطِهَا: أَنْ لاَ تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَلَا جُزْأَهُ الْخَاصَّ) {عِنْدَ الأَكْثَرِ} .
وهذان: محل الحكم وجزءه الخاص لا يكونان إلا في العلة القاصرة؛ لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص في غيره.
يعني: لا يتعدى غيره. إذا علَّلنا مثلًا الذهب، الذهب ربوي لكونه ذهبًا، هل الذهب يتعدى محله إلى محلٍ آخر؟ لا يتعدى. حينئذٍ هذا هو معنى القاصرة .. لا يتعدى.
كذلك جزءه كالاعتصار من العنب مثلًا، حينئذٍ نقول: هذا لا يتعدى.
إذًا: هذان الوصفان محل الحكم أو جزءه الخاص به. هذان قيدان أو وصفان أو صورتان من صور العلل القاصرة.
حينئذٍ من منع التعليل بالقاصرة منع هنا، ومن جوّز هناك جوَّز هنا، ومن فصَّلَ فصّل.
قال هنا: (أَنْ لاَ تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ) يعني: الذي يثبت فيه الحكم.
(وَلَا جُزْأَهُ) أي: جزء ماهية محل الحكم.
قال الزركشي: وقد يقال: لا حقيقة لهذا المذهب. يعني: هذا القول لا وجود له، لماذا؟ قال: لأن العلة بالمحل هي القاصرة، وإطلاق الأول وإن أُطلق فهو مخصوصٌ بها فكيف يصح التفصيل؟
يعني: من فصَّل بين أنه يجوز بالجزء لا بمحل الحكم.
ثلاثة أقوال: منهم من جوَّز النوعين: محل الحكم وجزءه، منهم من منع النوعين، منهم من فصَّل.
حينئذٍ يقول الزركشي: هذا المذهب أصلًا في هذه المسألة الخلاف قد يقال بأنه لا حقيقة له؛ لأنه ليس بشيءٍ منفكٍ عن العلة القاصرة، وإلا العلة القاصرة هي عينها، ولذلك لو قدَّم الكلام في العلة القاصرة وفرَّق بينها وبين المتعدية وأتى بالمسألة لفُهِمت على وجهها، فالتعليل بالعلة القاصرة هو عينه محل الحكم.
ولا شك أنه إذا مُنع التعليل بالأصل الذي هو الكل، حينئذٍ مُنع الجزء فإنه جزء الماهية، فإذا مَنع أن يعلل بمحل الذهب فجزء الذهب من بابٍ أولى وأحرى، فكيف يجوز الجزء دون الكل أو بالعكس؟
ولذلك قال: هذا المذهب لا حقيقة له؛ لأن العلة بالمحل هي القاصرة، فلا وجود له .. لهذا الخلاف.
قال: {وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ: بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْمَحَلِّ كَانَتْ قَاصِرَةً؛ لأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بِخُصُوصِهِ فِي الْفَرْعِ اتَّحَدَا. وَكَذَا جُزْؤُهُ} .
والصواب أنه يُمنع بكونها منفكة عن القاصرة بل هي عينها.
قال:(وَلَا قَاصِرَةً مُسْتَنْبَطَةً.
وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ: مَعْرِفَةُ الْمُنَاسَبَةِ).
يعني: يُشترط في العلة ألا {تَكُونَ قَاصِرَةً مُسْتَنْبَطَةً عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا} .
العلة إما أن تكون مستنبطة وإما أن تكون منصوصة، وزاد بعضهم: مجمعًا عليها.
والمستنبطة قد تكون متعديةً وقد تكون قاصرة.