المتعدية: هي التي توجد في غير محلها، كالإسكار مثلًا يوجد في الخمر ويوجد في النبيذ ويوجد في غيره، هذا يسمى متعدية.
وأما القاصرة: فهي التي لا تتعدى محلها، حينئذٍ مُحالٌ أن يوجد الذهب في غير الذهب، والفضة في غير الفضة .. وهكذا.
فحينئذٍ نقول: هذه علة قاصرة، هذه العلة القاصرة قد تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة.
الإجماع انعقد على أن المنصوص والمجمع عليها من العلل القاصرة أنها يعلل بها، لكن يعلل بها في محالها ولا يُتعدى بها.
فنقول: شُرع الحكم في هذا المحل لأجل كذا، فنعلل الحكم بالعلة القاصرة، لكن لا نعدِّيها.
قال هنا: (وَلَا) {تَكُونَ الْعِلَّةُ} (قَاصِرَةً مُسْتَنْبَطَةً) والمستنبطة مما عُرِفت بغير نصٍ أو إجماعٍ.
يعني: المستنبطة من الاستنباط وهو الاستخراج، مما عُرِفت بغير نصٍ أو إجماعٍ.
كتعليل الربا في النقدين بالثمَنِيَّة، فذهب الحنفية إلى بُطلانها، وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى الصحة؛ لأنها مناسِبة للحكم فيصح.
يعني: وافق المصنف هنا على ما جعله مذهبًا للحنابلة أنه لا يصح التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، وجمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الثلاثة، وظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يجوز التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة.
قال هنا: {عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ. وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ} .
فمنعوا التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة.
قالوا: لو كانت صحيحةً كانت مفيدة لكنها غير مفيدة، لو كانت صحيحة لكانت مفيدة، ما وجه فائدتها؟ أن يتعدى الحكم بتعديها، إذًا: ما دام أنها قاصرة في محلها ما الفائدة منها؟
إذًا: هي غير مفيدة، وإذا كانت غير مفيدة لتعدية المحل أو الحكم الفرع لئلا يُلحق بها وحينئذٍ ما الفائدة فيها؟ قالوا إذًا: هي غير مفيدة.
قالوا: لو كانت صحيحة كانت مفيدة لكنها غير مفيدة؛ لأن الحكم في الأصل ثابتٌ بغيرها، وليس لها فرعٌ إذ هي قاصرة.
إذًا لا يُلحَق بها شيءٌ.
قالوا: وهذا منقوضٌ بالقاصرة بنصٍ أو إجماع. نحن سلَّمنا بأن التعليل بالعلة القاصرة إذا كانت بنصٍ .. لا إشكال فيه، وكذلك إذا كانت مجمعًا عليها سلَّمتم، هل تتعدى العلة القاصرة المنصوص عليها؟ الجواب: لا. إذًا: ما الفائدة فيها؟ فالحكم واحد.
فحينئذٍ نقول: إذا سلَّمتم بعدم تعدية العلة القاصرة المنصوص عليها أو المجمع عليها مع إقراركم بها، وأنها لا تتعدى، كذلك يمكن أن تكون مستنبطة ولا تتعدى.
قالوا: وهذا منقوضٌ بالقاصرة بنصٍ أو إجماع، فإن الخصم وافق على تجويزه -وهم الأحناف-، فلو صح ما قالوه كان النص عليها عبثًا، والإجماع عليها خطأً.
وبأن الفائدة غير منحصرة فيما ذكرتم من إثبات الحكم بها، بل لها فوائد وهو ما نص عليه المصنف فيما يأتي.
إذًا: لا يلزم من حصر العلة في فائدتها أن تتعدى محلها، هذا ليس بلازمٍ لها، بل تكون علة قاصرة ومستنبطة في محلها، ويُفهم منها إدراك حِكَم الشرع؛ من كونه ربط هذا الحكم بهذه العلة.