قال الهندي: إنما يتجه الأول لو كانت الزيادة على النص نسخًا. يعني: هذه المسألة ذكرها المصنف هنا وهي مبنية على أن الزيادة على النص تعتبر نسخًا، وقد مر معنا أنه أبطلها.
حينئذٍ إذا استُنبطت علة وترتب عليها حكمٌ ولم يُذكر في النص، حينئذٍ صارت زيادة على النص.
وكانت العلة صالحة لإثبات هذا الحكم الزائد، حينئذٍ كلام المصنف على أنه يُمنع منها وتكون العلة فاسدة، لكن نقول: هذا الفرع لأصلٍ أنت نقضته فيما سبق وهو أن الزيادة على النص ليست بنسخ، وهنا اعتبرتها أنها نسخ.
ولذلك قال ابن عبد الشكور وهو حنفي: ومنها ألا توجب العلة المستنبطة زيادة على النص مطلقًا -هذه عبارة المصنف-، مقيَّدًا كان أو مخالفًا عندنا لأنه نسخٌ.
إذًا: هذه المسألة فرعٌ على أصل وهو: منع الزيادة على النص لأنه نسخ، ومر معنا أنه ليس بصحيح.
قال: {لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنَافِيَةً لِلنَّصِّ؛ لأَنَّهَا إذَا لَمْ تُنَافِ لَمْ يَضُرَّ وُجُودُهَا} .
إذًا: هذا قولٌ مفصِّل واختاره في جمع الجوامع.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ} .
قال: (وَأَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا) .
لا بد أن يكون دليلها شرعيًا -العلة-. يعني: سيأتينا مسالك العلة وهي ستة، هذه كلها أدلة شرعية، كيف نثبت هذه العلة؛ لأنه إذا قيل بالاجتهاد، الاجتهاد لا شك أن له قواعد .. ليس مطلقًا هكذا يستنبط من رأسه يقول: هذه علة لا، وإنما ثَم مسالك، هذه المسالك هي الدليل الشرعي، كيف يستنبِط؟
النص والإجماع واضح ولا يحتاج، وسيذكر في المسالك، لكن المستنبطة هي التي يقع فيها شيءٌ من الإشكال.
إذًا: من شروطها من أجل اعتبارها: (أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا) دليل العلة الذي أُثبتت به (شَرْعِيًّا) الطريق الذي نصَّصْنا فيه على العلة أن يكون طريقًا شرعيًا.
{وَذَلِكَ لأَنَّ دَلِيلَهَا لَوْ كَانَ غَيْرَ شَرْعِيٍّ لَلَزِمَ أَنْ لا يَكُونَ الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا} خرجنا عن القياس.
قال: (وَأَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ) لماذ؟ لأن الأصل في حكم الفرع أن يكون مجهولًا، فإذا عمها دليل العلة صار منصوصًا، والقياس لا يجري في المنصوصات وإنما يجري في المجهولات: إلحاق مجهولٍ بمعلومٍ.
(أَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا) أي: دليل العلة (حُكْمَ الْفَرْعِ) .
{يَعْنِي أَنْ لا يَكُونَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ، فَيُقَالُ: الْعِلَّةُ دَلِيلُهَا حَدِيثُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ} والتفاح طعام، إذًا: لماذا تقيسه على البر؟ مباشرة أدخله في النص .. دل عليه، فهو ليس بمجهولٍ.
{ رَوَاهُ مُسْلِمٌ} .
فإنه دالٌ على علة الطُّعم، فلو قلنا: التفاح ربويٌ قياسًا على البر بجامع الطعم فإنه علة لهذا الحديث، لم يصح؛ لأن النص يتناول التفاح بحكم العموم فلا يحتاج إلى قياس. القياس حينئذٍ يكون باطلًا.
لكن جرى عليه أهل العلم، ولذلك دائمًا نقول: ودل عليه الكتاب والسنة والقياس، كيف دل عليه الكتاب والسنة والقياس؟