يقولون هنا: يُتسامح فيه من باب تكثير الأدلة، وإلا هو في أصله إذا دل عليه الكتاب كيف نأتي للقياس، القياس لا يكون إلا في مجهول، هذا تعارض، لكن مرادهم تكثير الأدلة.
يعني: القياس يكون هنا من باب التمرين كما قال بعضهم، يعني: ليس المراد به إثبات الحكم الشرعي من حيث هو، وإنما تطبيق القياس لو سُلِّم بأن الفرع مجهول الحكم لكانت النتيجة موافقة لما دل عليه الكتاب والسنة. هكذا يقولون والله أعلم.
قال: (أَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ) يعني: يكون العموم فيه (أَوْ بِخُصُوصِهِ) أن يكون خاصًا ودل على حكم الفرع كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا، لَكِنْ يُذْكَرُ لِلتَّمْثِيلِ.
فَلَوْ قِيلَ فِي الْقَيْءِ: خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كمثال {قِيلَ فِي الْقَيْءِ: خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَيَنْقُضُ كَالْخَارِجِ مِنْهُمَا} قياسًا، وهو قياس فاسد، لكن كقياس.
{ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا يُنْقَضُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَصِحَّ} .
يعني: قِسنا القيء على الخارج من السبيلين، إذًا هما سيّان، نقض، ثم نأتي نقول: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذًا: يشمل الخارج من السبيلين، هكذا قالوا.
قالوا: {لَمْ يَصِحَّ؛ لأَنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ، بَلْ فِي الثَّانِي -مَعَ كَوْنِهِ تَطْوِيلًا- رُجُوعٌ عَنْ الْقِيَاسِ} لأنه لما استدل به أولًا بالقياس ثم رجع إلى النص، إذًا: رجع عن القياس إلى النص.
{لأَنَّ الْحُكْمَ حينئذٍ يَثْبُتُ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لا بِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ} .
إذًا: هنا قال: (وَأَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ) كالطعام بالطعام وهو واضح أنه يشمل البر والتفاح فلا نقيس التفاح على البر.
(أَوْ بِخُصُوصِهِ) فيما إذا قاس، ثم رجع إلى النص فأثبت بالنص ما قاسه عليه، هذا كمثال وقد لا يصح.
{قَالَ الْعَضُدُ: لَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ، كَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الأَصْلِ بِهِ. فَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى إثْبَاتِ الأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بَيَانِ وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا: تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ} وهذا إشكال.
{وَأَيْضًا فَإِنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الْقِيَاسِ إلَى النَّصِّ} .
قال رحمه الله تعالى: (وَأَنْ تَتَعَيَّنَ) يعني: أن تكون معينة غير مبهمة، غير شائعة. يعني: محصورة منضبطة ظاهرة واضحة بيّنة.
(وَأَنْ تَتَعَيَّنَ) {يَعْنِي: أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً لا مُبْهَمَةً} وأراد الإبهام هنا بمعنى شائعة، لا تكون شائعة منتشرة.
ولذلك صرف الأصوليون عن التعليل بالحكمة لأنها غير معينة يعني: شائعة، حينئذٍ تكون غير مطردة.
{خِلافًا لِمَنْ اكْتَفَى بِذَلِكَ} وهو جواز الإلحاق بمجرد الاشتراك في وصفٍ عام أو مطلق.