{خِلافًا لِمَنْ اكْتَفَى بِذَلِكَ} يعني: ألحق فرعًا بأصلٍ بمجرد المشاركة في أي شيءٍ ما، ولذلك قال هنا: {مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْرِفْ الأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَقِسْ الأُمُورَ بِرَأْيِك} أطلقه، متى ما أدى الرأي إلى اشتراك شيئين متشابهين قال: هذا يُلحق بهذا.
قال هنا: {فَيَكْفِي عِنْدَهُمْ كَوْنُ الشَّيْءِ مُشْبَهًا لِلشَّيْءِ شَبَهًا مَا} .
وهذا باطل لأنه سيخرِج الشريعة كلها إلى باب القياس، متى ما أشبه الشيء شيئًا ألحقه به، لا، ليس المراد به وإنما المراد: أن يكون ثَم وصفٌ معتبرٌ شرعًا له طرائقه الشرعية في الاستنباط ثُم لا بد أن يكون واضحًا بينًا لا شائعًا؛ بحيث يقال: هذه العلة موجودة بتمامها في كذا، وأما أن تكون شائعة ولا يمكن النظر إليها بأولٍ ولا آخر، نقول: هذا لا يعتبر.
{قَالَ الْهِنْدِيُّ: لَكِنْ أَطْبَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ} وهذه مشكلة أخرى {لأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ وَالْمُجْتَهِدَ سَوَاءٌ فِي إثْبَاتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْحَوَادِثِ} .
متى ما رأى المجتهد العامي شيئًا ألحق شيء بشيء؛ لأنه أمر سهل، حينئذٍ يُلحق شيئًا بشيء بمجرد الاشتراك، أدنى شيء ولو الصوري.
إذْ مَا مِنْ عَامِّيٍّ إلاَّ وَعِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَصْلٌ مِنْ الأُصُولِ عَامٌّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.
وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لا بُدَّ فِي الإِلْحَاقِ مِنْ الاشْتِرَاكِ بِوَصْفٍ خَاصٍّ يعني: غير شائع فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّفُونَ فِي الْحَوَادِثِ لا يُلْحِقُونَهَا بِأَيِّ وَصْفٍ كَانَ بَعْدَ عَجْزِهِمْ عَنْ إلْحَاقِهَا بِمَا يُشَارِكُهَا فِي وَصْفٍ خَاصٍّ.
أَمَّا التَّعْلِيلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحْصُورِ: فَلا يَمْتَنِعُ وهو كذلك، لما مر معنا.
{كَمَا لَوْ مَسَّ الرَّجُلُ مِنْ الْخُنْثَى فَرْجَ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْخُنْثَى فَرْجَ النِّسَاءِ بِشَهْوَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَاسِّينَ؛ لأَنَّهُ إمَّا مَسُّ فَرْجٍ أَوْ مَسٌّ لِشَهْوَةٍ} هذا مر في الفقه.
إذًا: يُشترط في هذا الوصف أن يكون معيَّنًا يعني: غير شائعٍ، وليس المراد مشابهة شيءٍ بشيءٍ في أي شيءٍ ما، لا بد أن يكون شيئًا معتبرًا، وهذا يضبطه مسالك العلة الآتي ذكرها في كيفية التعيين ونحو ذلك.
قال: (وَأَنْ لا تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا) .
هذا شرطٌ تبع فيه بعض الأصوليين، وتبع فيه الرازي (أَنْ لا تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا) نحن علمنا أن العلة وصف، ثم الوصف قد يكون حقيقًا موجودًا في الخارج، وقد تكون وصفًا اعتباريًا في الذهن، هل يصح أن يُجعل ما في الذهن وهو وصفٌ يُجعل علةً لحكمٍ شرعي؟
المصنف يقول: لا؛ لأن الاعتباري لا وجود له في الخارج.
وهو قولٌ مرجوح، والصواب عكسه وهو: أن العلة قد تكون وصفًا مقدرًا اعتباريًا، وهذا كثير كما قال القرافي: لا يخلو عنه بابٌ البتة.