اللفظ له معنى والمعنى وضع له اللفظ، فحينئذٍ إذا أُطلق اللفظ هل يمكن أن يراد به المعنى دون اللفظ أو يراد به اللفظ دون المعنى؟ نقول: إذا أُطلق ولم يقيد فحينئذٍ يحمل عليهما معًا، فإذا قيل: قال الله، حينئذٍ حُمل على اللفظ والمعنى، إذا قيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حُمل على اللفظ والمعنى.
إذًا: (وَتَنَاوُلُ الْكَلاَمِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) لعدم التقييد بأنه اللفظ فقط دون المعنى، أو المعنى دون اللفظ يُحمل على اللفظ والمعنى جميعًا، وهذا باتفاق أهل اللغة.
(كَالْإِنْسَانِ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ) يعني: ليس للروح فحسب دون البدن، ولا للبدن دون الروح.
{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ, وَالأَكْثَرِ} يعني: أكثر أهل العلم، وهنا مراعاة للأشاعرة؛ لأنهم قالوا: يجوز أن يراد بالكلام المعنى النفسي دون اللفظ، فيُنسب إلى الشخص وينسب إلى الباري جل وعلا المعنى ويسمى كلامًا دون اللفظ، وأما اللفظ فهو منسوب لغيره، وهذا باطل مخالف للقاعدة المذكورة.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: {اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى} يعني: لفظًا ومعنى (( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ) [التوبة:6] فالمسموع هو اللفظ وسماه كلامًا، وهذا نص واضح بين.
يقول رحمه الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ كَلاَمُهُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ} يعني: دون اللفظ {وَالنَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى لَيْسَ كَلاَمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مَخْلُوقًا, خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ , فَيَكُونُ كَلاَمًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ} فإن كان الناطق به جبريل فهو كلامه ليس كلام الله عز وجل، وإذا كان الناطق به محمد صلى الله عليه وسلم فهو كلامه مخلوق ولا ينسب إلى الله عز وجل، وهذا باطل، مع كون الباري جل وعلا أطلق الكلام وأنه صفة له (( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) ) [النساء:164] والكلام إنما هو اللفظ والمعنى معًا، وهذا واضح بين؛ {لأَنَّ الْكَلاَمَ إذَا خُلِقَ فِي مَحَلٍّ كَانَ كَلاَمًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ, فينسب إليه فَيَكُونُ الْكَلاَمُ الْعَرَبِيُّ لَيْسَ كَلاَمَ اللَّهِ تَعَالَى , بَلْ كَلاَمُ غَيْرِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ: أَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، لا كَلامُ غَيْرِهِ} وهذا محل وفاق ومحل إجماع، والقول بأن كلام الله هو المعنى نفسه هذا قول باطل وسيأتي رده في موضعه.