فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 1890

إذًا: هذه القاعدة الأخيرة ختم بها لنستفيد منها أنه إذا أُطلق لفظ الكلام حُمل على اللفظ والمعنى إلا إذا قُيِّد، قال: زَوَّرتُ في نفسي كلامًا، هنا جاء مقيدًا، أو القول جاء مقيدًا (( وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ ) ) [المجادلة:8] حينئذٍ جاء مقيدًا وليس الكلام فيه، هذا لا إشكال فيه؛ لأن ما جاء قيدًا في الكلام نفسه حُمل عليه، فيكون حقيقة فيه، وأما عند الإطلاق وعدم التقييد فيُحمل على اللفظ والمعنى معًا، فتخصيص أحدهما دون الآخر حينئذٍ يكون من قبيل التحكم، كما أن الإنسان إذا أُطلق حُمل على الروح والبدن معًا، ولذلك قوله سبحانه: (( الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) ) [الإسراء:1] اختلف هنا: هل الإسراء كان بالروح فقط أو مع البدن؟ نأتي بهذه القاعدة، قال: (( بِعَبْدِهِ ) ) [الإسراء:1] العبد كالإنسان، العبد ليس هو البدن فقط دون الروح، وليس هو الروح دون البدن، حينئذٍ الإطلاق الحقيقي في هذا اللفظ مع عدم التقييد يُحمل على أنه أسري بجسده عليه الصلاة والسلام، وروحه من بابٍ أولى وأحرى.

قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: الدَّلاَلَةُ وَهِيَ مَا يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ فَهْمُ) {شَيْءٍ} (آخَرَ) مر معنا الدليل وما يتعلق به، فأراد أن يبين لنا معنى الدلالة.

(الدَّلاَلَةُ) {بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى الأَفْصَحِ} هي مثلثة: دَلالة، ودِلالة ودُلالة، لكن الأفصح هو الفتح، ثم الكسر يأتي بعدها في المرتبة، وأردؤها الضم كما نص على ذلك الأمين رحمه الله تعالى في المقدمة.

{مَصْدَرُ دَلَّ يَدُلُّ دَلاَلَةً} دلالة مصدر .. دل يدل دلالة، ومر معنى الدلالة هي: الإرشاد.

قال هنا: (وَهِيَ) {أَيْ الدَّلاَلَةُ الْمُرَادَةُ هُنَا} (مَا يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ فَهْمُ) شَيْءٍ (آخَرَ) وهذا التعبير هو الذي عناه بعضهم بقوله: فهم أمر من أمر، ومر معنا أن الفهم هو: إدراك معنى الكلام، حينئذٍ على هذا التعبير وهو الذي قدمه المصنف رحمه الله تعالى أنه لا يكون الشيء دالًا إلا إذا فهم منه الشيء بالفعل؛ لأن الدليل والدال قد يُفهم منه ما وضع له وقد لا يُفهم، فإذا عُرّفت الدلالة بأنها فهمُ يعني: بالفعل، إذا قيل: فهمُ أمر. يعني: حصل بالفعل.

(فهم أمر من أمر) حينئذٍ إذا لم يُفهم أمر من أمر لا يسمى دلالة ولا دليل، وهذا كفهم المسميات من فهم المراد بأسمائها، وثم تعريف آخر: هو فهم أمر من أمر، لك أن تزيد عليه: فهم بالفعل أم لا، وحينئذٍ يكون عامًا، وهذا هو الصحيح في الدلالة؛ لأنه يلزم منه وصف الدليل، إذا فُسّرت الدلالة بهذا يلزم منه وصف الدليل، بأنه إذا لم يُفهم أو لم يَفهم منه الناظر شيئًا فلا يكون دليلًا، وهذا ليس الأمر كذلك، وإنما يكون دليلًا ولو لم يفهم منه شيئًا البتة.

ولذلك عبّر بعضهم أنه: كون أمر بحيث يُفهم منه أمرٌ فُهم بالفعل أو لم يُفهم، بالفعل يعني: بالإيجاب، قرأت الدليل أو نظرت فيه، سواء كانت أدلة لفظية أو غيرها.

فحينئذٍ إذا حصل الفهم بالفعل وإدراك المعنى سواء كان من الألفاظ أو من غيرها سمي دلالة، وإن لم يحصل كذلك الدلالة باقية والدليل باق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت