(أو لم يفهم) مثَّل بعضهم بما هو دليل ولم يُفهم منه شيء، لماذا؟ لأنه قد يكون الشيء مُفهمًا ويفهم منه زيدٌ ولا يفهم منه عمروٌ، حينئذٍ حصل الفهم بالفعل لبعض ولم يحصل للبعض الآخر، فحينئذٍ صار فيه تنازع.
فلو قلنا بأن الدلالة لا تكون إلا بالفعل لاضطرب الأمر معنا، ولكن نقول الصواب هو أنه يشمل النوعين، فيسمى دليلًا لمن فهم وكذلك يسمى دليلًا لمن لم يفهم، فالأمر سيان.
قالوا: كعدم شق إخوة يوسف قميصه لما جعلوا عليه دم السَّخلة ليكون الدم قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، قالوا: يا أبانا أكله الذئب، طيب أكله الذئب كيف أكله الذئب؟ خلع ملابسه أم أنه شق الملابس؟ شق الملابس، هذا الأصل فيه، لكن وضعوا الدم .. دم السَّخلة ونسوا شق الملابس، ماذا فهم يعقوب؟ فهم أن المسألة فيها مكيدة، لما رأى الدم ولم يرَ الشَّقَّ، حينئذٍ عدم الشق دلالة باعتبار يعقوب عليه السلام، وليس بدلالة باعتبار إخوة يوسف، هذا على أي تعريف؟ على التعريف الأول: فهمُ أمرٍ من أمرٍ، فيسمى دليلًا .. عدم شق القميص ليوسف عليه السلام يسمى دليلًا باعتبار يعقوب عليه السلام، ولا يسمى دليلًا باعتبار إخوة يوسف؛ لأنهم لم يفهموا ذلك، أراده الله عز وجل، فلم يفهموا ذلك.
لكن على القول الصحيح أنه يسمى دليلًا ودلالةً ولو لم يحصل الفهم، فنظر يعقوب إلى القميص فإذا هو ملطخ بالدم ولا شق فيه، فعلم أن عدم شق القميص فيه الدلالة على كذبهم، كذبوا .. مكيدة، وإن لم يفهموا بالفعل ذلك من الأمر الدال عليه، لكنه يسمى دليلًا ولا إشكال.
قال هنا: (وَهِيَ مَا) أي: التي .. أي: الدلالة، شيء) لفظ أو غيره يعني يعم، فسّرها المصنف هنا بالتي، الدلالة لا تختص بالألفاظ، ولذلك المحراب دليل، يفهم منه ماذا؟ إذا دخلت مسجدًا وجدت محرابًا تفهم منه أن القبلة في هذا الاتجاه، إذًا دَلَّك أم لا؟ دلك، هل هو لفظ؟ الجواب: لا، إذًا الدلالة لا تختص بدال يكون لفظًا، بل قد يكون لفظًا وقد يكون جمادًا، ولذلك قال: (مَا) حينئذٍ يحمل على النوعين لفظًا أو غيره، حينئذٍ لك أن تقول: شيء، أو الشيء الذي، والشيء هذا يصدق على اللفظ وعلى غيره.
(يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ فَهْمُ) {شَيْءٍ} (آخَرَ) الفهم: إدراك معنى الكلام.
قال الشارح: {يَعْنِي كَوْنَ الشَّيْءِ يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِهِ فَهْمُ شَيْءٍ آخَرَ. فَالشَّيْءُ الأَوَّلُ: هُوَ الدَّالُّ, وَالشَّيْءُ الثَّانِي: هُوَ الْمَدْلُولُ} .
قال رحمه الله تعالى: (وَهِيَ وَضْعِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ وَلَفْظِيَّةٌ) تنقسم الدلالة إلى نوعين في الأصل، هي من حيث التفصيل ستة أقسام، لكن من حيث الدال نقول: الدالُّ إما لفظًا أو ليس بلفظ، هذان قسمان، وكل منهما: إما أن يدل بالوضع أو بالطبع أو بالعقل، ثلاثة أشياء، 3×2=6، لكن المصنف لم يذكرها على جهة التفصيل، وإنما قال: