وَسَبْرَ الْمُعْتَرِضِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إنِّي بَحَثْت فِي الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مُنَاسَبَةً قَاصِرٌ. وَالْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَرْجَحُ مِنْ الْقَاصِرَةِ.
يعني: بناءً على أن المتعدية أرجح من القاصرة وهو المختار: المتعدية أرجح ولا إشكال فيها.
(وَلَيْسَ لَهُ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ) .
(وَلَيْسَ لَهُ) {أَيْ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْوَصْفِ الْبَاقِي وَالْحُكْمِ؛ لأَنَّهُ حينئذٍ انْتِقَالٌ مِنْ السَّبْرِ إلَى الْمُنَاسَبَةِ} .
يعني: من مسلكٍ إلى مسلك، وهذا يؤدي إلى انتشار الكلام وهو ممنوع في باب الجدل والمناظرة، لكن المستدل يحتاج إلى إثبات مرجِّحٍ يترجح به سبره على سبر المعترض، بأن يبيِّن أن سبره موافقٌ لتعدية الحكم.
ثم قال: (وَالسَّبْرُ الظَّنِّيُّ حُجَّةٌ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ مُنَاظَرٍ) .
لأنه يُثير غلبة الظن. هذا مذهب الجمهور.
يعني: ماذا يفيد بالعلِّيِّة؟ هي يفيد القطع أو لا؟
قال: (وَالسَّبْرُ الظَّنِّيُّ حُجَّةٌ) لأنه يثير غلبة الظن (مُطْلَقًا) أراد بالإطلاق هنا يعني: {مِنْ نَاظِرٍ أَوْ مُنَاظَرٍ} .
"ناظر"يعني: بنفسه .. منفك .. في غير باب المناظرة.
و"مناظر"يعني: في باب المناظرة، وهذا مذهب الجمهور واختاره القاضي أبو بكر وقال: إنه أقوى ما تثبت به العلل.
قال: (وَلَوْ أَفْسَدَ حَنْبَلِيٌّ عِلَّةَ شَافِعِيٍّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ) .
{وَلَوْ أَفْسَدَ حَنْبَلِيٌّ عِلَّةَ شَافِعِيٍّ فِي الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ أَيْ: عِلَّةِ الْحَنْبَلِيِّ، لَتَعْلِيلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِغَيْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ} .
هذا إذا كانت متعددة. يعني: لو كانت عِلَّة الربا ليس إلا الطعم والكيل فقط، أبطلتُ الكيل هل يحتاج أني أُثبت الطعم؟ لا يحتاج.
لكن إذا كانت متعددة: الطُّعم أو الكيل أو القوت فأبطلتُ القوت، هل يتعين صحة علتي؟ الجواب: لا؛ لوجود وصفٍ آخر لم أبطله، الأوصاف ثلاثة أبطلتُ واحدة، حينئذٍ بقي عليَّ واحد آخر، أي النوعين هو؟
وأما إذا كانا احتمالين فقط: إما الطُّعم وإما الكيل فأبطلتُ الكيل، هذا صار دليلًا على صحة علتي.
(وَلَوْ أَفْسَدَ حَنْبَلِيٌّ عِلَّةَ شَافِعِيٍّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ) .
{وَلَيْسَ إجْمَاعُهُمَا دَلِيلًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمَا} وهو كذلك، لو اتفق المتناظران حنبلي وشافعي .. ليس إجماعًا.
(لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ) .
{أَيْ لَكِنَّ إفْسَادَ عِلَّةِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي هُوَ الْخَصْمُ طَرِيقٌ لإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ، وَإِلْزَامٌ لَهُ أَيْ لِلشَّافِعِيِّ صِحَّةَ عِلَّتِهِ أَيْ عِلَّةَ الْحَنْبَلِيِّ} .
يُفكِّك المجتمع هذا، كله بناءً على مسألة التقليد، وهذه سيأتي في آخر البحث أنه يجب التقليد، وهذا من أبطل الباطل في التعميم، وأما التفصيل سيأتي.
قال: {وَلَيْسَ إجْمَاعُهُمَا دَلِيلًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمَا، لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ} .