(تَقَعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ) يعني: ما كان ثَم ترتيبٌ في إيقاع ما يترتب على هذا الوصف يسمى مناسبة، فالإسكار عِلَّة لتحريم الخمر، فحينئذٍ نقول: هذا وصفٌ مناسب؛ لأن المصلحة وهي حفظ العقل يترتب عليه، كذلك الزنا محرَّمٌ، والعلة هي حفظ الأنساب أو النسل.
حينئذٍ نقول: هذه المصلحة تترتب عقِبه. إذًا: ثَم إدراكٌ بين المعنيين.
قال: (مَا تَقَعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ) .
يعني: المصلحة المترتبة على الأمر أو النهي.
{قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَمَعْنَى الْمُنَاسِبِ: أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَقِبَهُ مَصْلَحَةٌ} .
هو التعريف الذي قدمه المصنف.
(وَزِيدَ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ) هذا قاله الطوفي، وسيشرحه فيما يأتي.
{قَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: الْمُنَاسِبُ: هُوَ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ} .
يعني: الذي ربط بين الوصف وبين الحكم، وجعل كون هذا الوصف مناسبًا للحكم رابطٌ ما، وجِهَتُه العقل.
قال رحمه الله تعالى: {وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: اخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْمُنَاسِبِ، وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ الْمُهِمَّاتِ} لماذا؟ ينبني عليه مسائل كثيرة، معرفة هذا الباب يعني: مسالك العلل وما يتعلق به على جهة التفصيل. هذا ينبني عليه فوائد عظيمة.
قال: وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ الْمُهِمَّاتِ؛ لأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ مَدَارَ الْوُجُودِ، إذْ لا وُجُودَ إلاَّ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِيَّةِ.
لَكِنَّ أَنْوَاعَ الْمُنَاسَبَةِ تَتَفَاوَتُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْخَفَاءِ، وَالظُّهُورِ يعني: ثَم مناسبة عامّة، وثم مناسبة خاصة، خاصة كالإسكار في محله، وكذلك العموم كالتشويش في: والخفاء والظهور، فتكون خافية .. فيها شيءٌ من الخفاء، وقد تكون ظاهرة.
{فَمَا خَفِيَتْ عَنَّا مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ تَعَبُّدًا} وما أجمل هذا التعبير.
{فَمَا خَفِيَتْ عَنَّا مُنَاسَبَتُهُ} لم يقل: ما لم تكن فيه مناسبة هو تعبدي، وإنما قال: {فَمَا خَفِيَتْ عَنَّا مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ تَعَبُّدًا} وهو كذلك.
{وَمَا ظَهَرَتْ مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ مُعَلَّلًا} .
هاتان جملتان طيبتان.
{فَقَوْلُنَا: الْمُنَاسِبُ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ، أَيْ: إذَا وُجِدَ أَوْ إذَا سُمِعَ: أَدْرَكَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ كَوْنَ ذَلِكَ الْوَصْفِ سَبَبًا مُفْضِيًا إلَى مَصْلَحَةٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لِرَابِطٍ مَا مِنْ الرَّوَابِطِ الْعَقْلِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي: لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ} .
يعني: الذي أَدرك الارتباط بين المعنى وبين الحكم المترتب عليه هو العقل، والعقل لا مانع أن يكون مستنبطًا أو مدركًا لما أراده الله عز وجل، لكن لا يكون مُشرِّعًا مستقلًا في الحكم الشرعي، فلا اعتراض على هذا المعنى.