قال: (أَوْ يُشَكُّ فِيهِ) {بِأَنْ يَتَسَاوَى حُصُولُ الْمَقْصُودِ} من شرع الحكم {وَعَدَمُ حُصُولِهِ، فَلا يُوجَدُ يَقِينٌ وَلا ظَنٌّ، بَلْ يَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ} .
هذا لا مثال له .. أن يكون المقصود من الحكم الشرعي مشكوكًا فيه لا يقين ولا ظن، بأن يتساوى فيه الاحتمالان: حصول المقصود وعدم حصول المقصود، هذا لا وجود له، وإنما فُرِض له مثال فرضيٌ فقط.
{قَالَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ: وَلا مِثَالَ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ} بل على التقريب.
{وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ حَدِّ شَارِبِ الْمُسْكِرِ لِحِفْظِ الْعَقْلِ} هذا حفظ العقول {فَإِنَّ الْمُقْدِمِينَ كَثِيرٌ، وَالْمُجْتَنَبِينَ كَثِيرٌ، فَتَسَاوَى الْمَقْصُودُ وَعَدَمُهُ فِيهِ. وَلِهَذَا مَثَّلَهُ فِي الأَصْلِ} يعني: التحرير {بِقَوْلِهِ كَحَدِّ خَمْرٍ} .
المثال لا يصح، وإنما نحتاج إلى تقرير أن عدد المجتنبين كذا وعدد المُقدِمين كذا، حينئذٍ يحصل التساوي، وهذا لا مثال له وإنما هو فرض مسألة فقط.
إذًا: (أَوْ يُشَكُّ فِيهِ) يشك في ماذا؟ في المقصود المترتِّب على الحُكم.
هل حصل المقصود أو لا؟ ليس عندنا يقين ولا ظنٌ، بل استويا كما هو الشأن في الشك.
قال هنا: (أَوْ يُتَوَهَّمُ) .
{أَوْ قَدْ يُتَوَهَّمُ حُصُولُهُ} يعني: ليس على جهة الشك وإنما يكون مرجوحًا وهو الوهَم.
(أَوْ يُتَوَهَّمُ) {حُصُولُهُ بِأَنْ يَكُونَ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ} من شرع الحكم {أَرْجَحَ مِنْ حُصُولِهِ} .
قالوا: (كَنِكَاحِ آيِسَةٍ لِلتَّوَالُدِ) آيسة من الحيض وتزوَّجت، ولا شك أن النكاح له مقصودٌ، هنا مرجوحٌ أو راجح؟ يعني: إذا اعتبرنا أن المقصود هو التوالد -بقاء النسل-، إذا قلنا محصور في هذه الجزئية.
حينئذٍ: إذا الآيسة من الحيض تزوجت لأجل التوالد، راجح أو مرجوح المقصود؟ مرجوح.
قال: (كَنِكَاحِ آيِسَةٍ) {مِنْ الْحَيْضِ} (لِلتَّوَالُدِ) يعني: محصور من ناحية التوالد {لأَنَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ عَقْلًا بَعِيدٌ عَادَةً} .
فكان نفيُ حصوله أي المقصود في هذه الصورة أرجح من حصوله.
{وَقِيلَ: لا يُعَلَّلُ بِمَا قَدْ يُشَكُّ فِيهِ أَوْ يُتَوَهَّمُ} .
ما مر معنا: اليقين والظن يُعلَّل به باتفاق، أما أن يُعلّل بما شُكَّ فيه أو تُوهِّم فيه، هذا قال هنا: {لا يُعَلَّلُ بِمَا قَدْ يُشَكُّ فِيهِ} لتردده بين حصول المقصود وعدمه من غير ترجيح.
وهذا إذا لم يكن له مثال الأصل أنه لا يقال: يُعلَّل به أو لا يُعلَّل، لكنه غير موجود، إن وُجد حينئذٍ نقول: استوى الأمران، ولا شك أن ما أمر به الشارع لا يمكن أن يكون متساويًا من حيث المقصود.
يعني: تصوره هذا في نفسه قد يقال بأنه فاسد؛ لأن عندنا قاعدة: ما أمر به الشارع إما لمصلحة خالصة أو راجحة.
حينئذٍ المقصود المترتِّب إما راجحًا مطلقًا فيما إذا كانت المصلحة راجحة، أو راجحًا فيما إذا كانت المصلحة راجحة. هذا الأصل فيه.
فالاستواء حينئذٍ كيف يكون؟
إن كان باعتبار انفكاك الناس عن المأمورات هذا لا اعتبار به، الأصل ألا نعتبر ذلك، وإنما نعتبر بما يترتب على الحكم الشرعي هل يحصل به أو لا يحصل؟