ولذلك النظر في قاعدة اليقين لا يزول بالشك، هذه تأتيك أفراد آحاد، أولًا تتردد في دخول هذا الفرد تحت القاعدة، حينئذٍ فهمُك للقاعدة، فهمُك للفرع نفسه، كون مدلول القاعدة موجودٌ في الفرع تتحقق .. هذا يسمى تحقيقًا للمناط؛ لأن الحكم معلقٌ في القاعدة على ماذا؟ اليقين لا يزول بالشك، فإذا تيقن الطهارة وشك في الحدث تقول: الأصل أنه لا يزول اليقين.
قال: (وَمَدَارُ الْحُكْمِ: مُوجِبُهُ، أَوْ مُتَعَلِّقُهُ) .
(مَدَارُ الْحُكْمِ) يعني: ما يدور عليه الحكم.
(مُوجِبُهُ) موجب الحكم يعني: العلة.
(أَوْ مُتَعَلِّقُهُ) يعني: متعلق الحكم، لكن لماذا عبِّر بالموجِب هنا؟ إن كان إشارة إلى اختيار المعتزلة هذا فيه نظر.
الموجب يعني: متعلق الحكم هل يوجب الحكم؟ لا يوجب الحكم، وإنما علَّق به الشارع فوُجد الحكم وإن كان له تأثير، لكن الإيجاب لا يوجبه.
قال: (وَلازِمُهُ) {أَيْ لازِمُ الْحُكْمِ} (مَا لا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ عَدَمِهِ) يسمى لازمًا له.
{فَيَكُونُ لازِمُ الْحُكْمِ أَعَمَّ مِنْ الشَّرْطِ؛ لِدُخُولِ الشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَجُزْئِهِ وَمَحَلِّ الْحُكْمِ فِيهِ} .
لازمٌ من صحة الصلاة الطهارة .. لازمٌ له، الطهارة ملزوم.
قال: (وَمَلْزُومُهُ) {أَيْ مَلْزُومُ الْحُكْمِ (مَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ) أَيْ وُجُودُ الْمَلْزُومِ (وُجُودَ الْحُكْمِ) } .
كالطهارة بالنسبة للصلاة.
إذًا: عندنا مدار الحكم هو العلة، وعندنا لازم الحكم وهو ما لا يثبت الحكم مع عدمه باعتباره عكسًا: ملزوم الحكم ما يستلزم وجوده وجود الحكم.
{قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي الإِيضَاحِ فِي الْجَدَلِ. وَيُقَالُ: مَدَارُ الْحُكْمِ عَلَى كَذَا، أَيْ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِ كَذَا} .
قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ) {يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ} باعتبارات متعددة: بِاعْتِبَارِ العلة .. قياس دلالة، قياس عِلَّة، قياس شبه، باعتبار القوة والضعف: قياس جلي، قياس خفي.
قال: {يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ} .
من الاسم واضح أن ما كان قياسًا جليًا أنه ظاهرٌ ولا يحتاج إلى إظهاره وهو ظهرٌ بنفسه، والخفي فيه نوع خفاء فيحتاج إلى إثبات.
والنظر هنا يكون للجامع يعني: قد يكون ظاهرًا، وهو ما مر معنا في القياس في معنى الأصل أو ما سُمي بمفهوم الموافقة.
قال: (مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ) .
(مَا قُطِعَ فِيهِ) يعني: في القياس.
(بِنَفْيِ الْفَارِقِ) يعني: بين الفرع والأصل.
لا فرق بينهما، فإذا نُفي الفارق وكان مقطوعًا به يعني: ليس مظنونًا فحينئذٍ يسمى هذا القياس قياسًا جليًا، ومثلوا لذلك بضرب الوالدين، قالوا: هذا تحقَّق فيه الأذى وقُطِع به بل هو أولى وأظهر من التأفيف، هذا قياسٌ في معنى الأصل، ويسمى الإلحاق هنا إلحاقًا بنفي الفارق.
ثم الإلحاق بنفي الفارق على قسمين: إما أن يكون مقطوعًا به يعني: لا يحتمل إلا ظاهره، وإما أن يكون مظنونًا يعني: يحتمل الإلحاق ويحتمل عدم الإلحاق.
إذًا: عندنا إلحاق، والقياس كما مر معنا إن كان هو ردٌ أو حملٌ هو كذلك إلحاق، إلحاق فرعٍ بأصلٍ.