{ (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) )وَالاِعْتِبَارُ: اخْتِبَارُ شَيْءٍ بِغَيْرِهِ وَانْتِقَالٌ مِنْ شَيْءٍ إلَى غَيْرِهِ وَالنَّظَرُ فِي شَيْءٍ لِيُعْرَفَ بِهِ آخَرُ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ قِيلَ: هُوَ الاِتِّعَاظُ لِسِيَاقِ الآيَةِ، رُدَّ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ} يعني: يشمل الاتعاظ وغيره.
{فَإِنْ قِيلَ: الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْجُزْئِيِّ. رُدَّ بَلَى} هذه كلها ما يرد الاعترضات على الاستدلال بهذه النصوص، وهم يقولون: الإجماع مقدَّمٌ على النص، وهو قدمه.
الأصل هنا أنه يأتي ويقدم الإجماع على النص، ويورد ما أورده ابن قدامة رحمه الله تعالى من الصور العديدة جدًا، وهو لم يورد شيء إلا يسير، أورد صورًا عديدة في الروضة وغيره من عمل الصحابة بالقياس، عملوا بكذا وكذا وكذا .. إلى آخره، يؤخذ من هذا كله -وأكثره ثابت عن الصحابة- يؤخذ منه حكمٌ متواتر، لكنه تواتر معنوي بأن الصحابة كانوا يُعملون القياس بشرطه وهو القياس الصحيح.
وما ورد من ذمهم للرأي ونحو ذلك أرادوا به الرأي المذموم.
وَمَا رُوِيِ مِنْ ذِمَّهِ فَقَدْ عُنِي ... بِهِ الَّذِي عَلَى الْفَسَادِ قَدْ بُنِي
فما بني على الفساد هو الذي أرادوا به ما أطلقوا: إياك والرأي، احذر أهل الرأي .. كلها هذه الأقوال المراد بها الرأي المذموم، وليس المراد الرأي مطلقًا.
فهذه الآية كما ترى وغيرها من الآيات فيها اعتراضات، والإنسان لو دخل فيها ما خرج منها.
قال هنا: ثُمَّ مُرَادُ الشَّارِعِ: الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ؛ لأِنَّ خِطَابَهُ غَالِبًا بِالأَمْرِ الشَّرْعِيِّ.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ووجه الاستدلال: أن القياس اجتهاد، والقياس لا شك أنه إعمالٌ للرأي، لكنه منضبط على قواعد، ومنها قواعد صحيحة تُقبل ومنها أشياء لا تُقبل، لكن في الجملة هو رأيٌ لكنه منضبطٌ بقواعد.
إذًا دخل في قوله: إذًا: من القياس ما هو صوابٌ. وهو كذلك.
{وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا وَغَيْرُهُمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ} وهو أولى بالاعتبار.
{قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ أَقْوَى الْحُجَجِ} يعني: الاحتجاج بالإجماع هو أقوى الحجج وهو كذلك.
{فَمِنْهُ} يعني: من أجماع الصحابة {اخْتِلاَفُهُمْ الْكَثِيرُ الشَّائِعُ الْمُتَبَايِنُ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ، وَفِي الأَكْدَرِيَّةِ وَالْخَرْقَاءِ، وَلاَ نَصَّ عِنْدَهُمْ} .
كثير من المسائل اختلفوا فيها والمردُّ فيها الرأي، ونظرنا فإذا بالرأي هنا عندنا: إلحاق فرعٌ بأصلٍ، علةٍ .. إلى آخره، وإن لم يصرحوا بذلك لكن القياس موجود؛ إذ لا يلزم التصريح بذلك، وإنما المراد النتيجة.
فحينئذٍ أعملوا آراءهم وهي بطريقة منضبطة وهي قواعد القياس، فحينئذٍ صح الاحتجاج بقولهم.