حينئذٍ سكت عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يُلحقه بالمذكور.
ونرجع إلى قاعدة الشافعي بأن القياس ضرورة، فلا نحتاج إليه فيما وُجد فرعُه في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقسه لا هو ولا الصحابة، مات عليه الصلاة والسلام وهذا الفرع موجودٌ ولو جوازًا عقليًا، ولو لم يعلم به عليه الصلاة والسلام، فإن لم يعلمه قد علمه الباري جل وعلا.
حينئذٍ نقول: هذا الفرع لا يقاس على غيره البتة.
قد يوجد عند كثير من الفقهاء المتوسعين في باب القياس فيُلحق به، يقال: هذا من باب القياس، من باب الرأي .. وهذا كله فاسد ولا عبرة به.
إذًا: الكفارات نقول: لا قياس فيها.
والمقدَّر قالوا: كأعداد الركعات.
والرُّخص ظاهر، كما مر معنا في العرايا. العنب هل يقاس على التمر؟ والعنب موجود في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويعرفون العنب، ويحتاج بعض الناس العنب، لكن حاجتهم كانت في التمر أكثر من العنب، فلا يقاس عليه .. الصواب أنه لا يقاس، ويختص بالتمر الرطب فقط ولا يقاس عليه شيءٌ البتة.
إذًا: {وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ} يعني: القياس {فِي حَدٍّ وَكَفَّارَةٍ وَبَدَلٍ وَرُخَصٍ وَمُقَدَّرٍ} .
قال في المقدَّر: غير معقول. يعني: الركعات إلى آخره.
والحدود قال: لا قياس فيها؛ لأنها تُدرأ بالشبهة.
وما أورده بعضهم نقضًا على الأحناف بكونهم قد استعملوا القياس في الكفارات إلى آخره، نقول: نحن نبحث في المسألة لا نبحث في تناقضات من يقول بالمسألة، نبحث في أصل المسألة، فما قاله الأحناف هنا هو الصحيح، كونهم خالفوا أصلهم في بعض المواضع لا يلزمنا بأنا نرجع عن أصلنا.
إذًا: الصواب هو استثناء هذه السبعة كلها: لا يجري فيها القياس البتة، فكل قياسٍ في واحدٍ من هذه السبعة فهو خطأٌ؛ لأنه ليس محلًا للقياس، لا بد أن يكون محل القياس خارجًا عن هذه الأشياء المقدَّرات.
لكن المصنف يرى أن القياس عام في كل شيء، وهذا خلل كبير؛ لأنه نحتاج إلى إثبات، نحن نقول: إجماع الصحابة، إجماع الصحابة نحتاج إلى أفراد عدة يحصل بها الظن الكافي بأنهم قد أجروا القياس في الكفارات، أو أجروا القياس في الحدود .. أو نحو ذلك.
إن حصل حينئذٍ رجعنا واستثنينا، وأما إذا لم يُنقل إلا في مسائل وقع فيها النزاع، ثم ما قالوه لا يلزم منه أن يكون بالقياس، قد يكون من باب التحقيق، قد يكون من باب مفهوم الموافقة، قد يكون من باب العموم .. إلى آخره، حينئذٍ هذا لا يُنص على أنه هو القياس بعينه. هذا فيه نظر.
قال: {لَنَا} يعني: دليل على العموم {عُمُومُ دَلِيلِ كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً} .
ونحن قلنا أقوى دليل هو الإجماع، والإجماع هو مأخوذٌ من قضايا متعددة.
{وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى. وَكَبَقِيَّةِ الأَحْكَامِ} .
هذا يُنظر فيه: هل الصحابة أجمعوا على ذلك بالفعل أو لا؟ وماذا يُعنى بقولهم ذلك؟ وهل يرجع إلى الأصل من أصله فيرفعُه؟ إلى آخره.