{نَحْوَ أَنْ يُقَالَ فِي شُهُودِ الْقَتْلِ إذَا رَجَعُوا: لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ تَجَرَّدَ مَبْدَؤُهُ عَنْ غَايَةِ مَقْصُودِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لاَ يَثْبُتَ} .
هذا تركيبٌ يأتي به المستدل وفيه ألفاظ تحتاج إلى معرفة اصطلاح المتكلم، فقوله: مبداه يحتاج إلى بيان المعنى الذي عناه المتكلم.
والدور: هو توقُّف الشيء على ما يتوقف عليه، والتسلسل: ترتيب أمورٍ غير متناهية.
والهيولى: لفظٌ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وله اصطلاحٌ عند الفلاسفة.
والغاية: ما لأجله وجود الشيء، والمبدأ والمادة: بمعنى حقيقة الشيء.
قال هنا: {وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ اصْطِلاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ. إلاَّ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ حَالِ خَصْمِهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَلا غَرَابَةَ حِينَئِذٍ} .
إذًا: الغرابة والإجمال تقع في كلام المستدل، فيأتي المعترض فيعترض بذلك، حينئذٍ يبيِّن المعترض احتمال المعنيين، ثم يبيِّن وجه الغرابة إما من جهة الوضع وإما من جهة الاصطلاح.
قال: (لاَ بَيَانُ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَاتِ) .
فيما سبق قال: على المعترض بيانُ احتماله يعني: بيان احتمال اللفظ للمعنيين فأكثر، لكن هل يلزمه تساوي الاحتمالات؟ الجواب: لا.
قال: {وَلا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ إذَا بَيَّنَ كَوْنَ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا بَيَانُ تَسَاوِي الاحْتِمَالاتِ لِعُسْرِهِ} .
لأنه عسير، والشيء العسير في باب البحث والمناظرة يؤدي إلى الخروج والانتقال، ومعلومٌ أن الانتقال الذي يسمونه بالانتشار ممنوعٌ عندهم؛ لأنه يلزم إلى أن يُثبِت شيئًا آخر، ثم إذا أثبتَ شيئًا آخر قد يتوقف على شيءٍ ثانٍ وثالث ورابع .. هكذا.
وحينئذٍ نقول: لعسر بيان -تساوي الاحتمالات- هذا لا يلزم المعترض، وإنما يبيِّن أن اللفظ محتمل ويكفيه ذلك.
(وَلَوْ قَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ مُرَجِّحٍ: صَحَّ) .
يعني: {وَلَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ الأَصْلُ عَدَمُ مُرَجِّحٍ: صَحَّ} .
يعني: فإن قال: إن الأصل عدم رجحان بعضها.
تساوي الاحتمالات إذا احتمل اللفظ معنيين فأكثر، ما هو الأصل وما هو الفرع؟ هذه فائدة جيدة في باب المُجمَل.
الأصلُ عدم الرجحان أو التساوي أو هما بمعنى واحد؟
الأصل عدمُ رجحان بعضها على بعض، والذي يدَّعي بأن بعضها رجحٌ على بعض هو الذي عليه الدليل، لكن هذا يتضمن أنه ادعى التساوي؛ لأنه إذا قال: هذا اللفظ مجمل لمعنيين فأكثر، حينئذٍ إذا قلنا: الأصل عدم رجحان بعضها على بعض استلزم التساوي، لكن هل يلزمه إثباته لفظًا ونصًا ودليلًا؟ لا يلزمه، هذا الذي عناه.
قال هنا: ولو قال: ولا يلزم المعترض بيان تساوي الاحتمالات لعسره.
{وَلَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ الأَصْلُ عَدَمُ مُرَجِّحٍ: صَحَّ} ذلك منه.
يعني: إن قال: إن الأصل عم رجحان بعضها فهو جيد.
قالوا: {وَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَرُّعًا مِنْ الْمُعْتَرِضِ} هذا الصحيح الذي رجَّحه في التحبير.
قال: {يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ: الأَصْلُ عَدَمُ رُجْحَانِ بَعْضِ الاِحْتِمَالاتِ عَنْ بَعْضٍ، كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ صَحِيحًا. وَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَرُّعًا مِنْ الْمُعْتَرِضِ} .
لكن لا يلزمه. يعني: يبيِّن احتمال اللفظ بمعنيين فأكثر.