فحينئذٍ يكون فساد الاعتبار أعم مطلقًا؛ لأن فساد وضع القياس يستلزم عدم اعتبار القياس؛ {لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ} .
قال هنا: قال الآمدي: كل فاسد الوضع فاسد الاعتبار، وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد الوضع؛ لأن القياس قد يكون صحيح الوضع .. تركيبه صحيح، وإن كان اعتباره فاسدًا بالنظر إلى آمرٍ خارج، ولهذا وجبَ تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، كما صنع المصنف هنا.
وقيل: كلٌّ منهما اجتهادٌ في مقابلة النص،"كلٌ منهما"من فساد الوضع وفساد الاعتبار، وهذا مادة الاشتراك بينهما.
كلٌ منهما اجتهاد في مقابلة النص، ولذلك جعلهما أبو إسحاق الشيرازي واحدًا، -ليس جمع الجوامع .. أبو إسحاق الشيرازي-، والصحيح أن بينهما العموم والخصوص من وجهٍ.
والمصنف ذهب إلى أنه مطلق.
ووجهُه: أنهما يجتمعان فيما هو مخالفٌ للنص، مع كونه على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحُكم. يجتمعان في ذلك.
وينفرد فساد الوضع لكون الدليل ليس على الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه، مع كونه لم يخالف نصًا، وينفرد فسادُ الاعتبار بما خالف النص، وكان على الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه. يتبين بمعرفة المراد هنا بفساد الوضع.
لكن المصنف قدَّم ذلك ولو أخَّره لكان أجود.
(وَهُوَ أَخَصُّ) يعني: فساد الوضع (أَخصُّ مِمَّا تَلاَهُ) يعني: {مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ} .
{قَالَ الْجَدَلِيُّونَ فِي تَرْتِيبِ الأَسْئِلَةِ: إنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ مُقَدَّمٌ عَلَى فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ أَخَصُّ لأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ} .
حينئذٍ يكون لدليل منفك ليس لذات القياس، هذا وجهُه هنا.
وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ أَعَمُّ: الْهِنْدِيُّ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ الْعَسْقَلانِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحَ الْوَضْعِ التركيب {وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُهُ فَاسِدًا بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، فَكُلُّ فَسَادِ الْوَضْعِ فَسَادُ الاعْتِبَارِ وَلا عَكْسَ} .
ثم أراد أن يفسِّره فقال: فساد الوضع هو (كَوْنُ الْجَامِعِ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ) .
(كَوْنُ الْجَامِعِ) المراد بالجامع هنا العِلة.
(ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ) يعني: شهِد له الشرع.
(بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ) ليس في عين الحكم بل (فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ) يعني: المقيس عليه، فيُشعر بنقيض الحكم.
(كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ. فَيُعْتَرَضُ بِكَرَاهَةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الْخُفِّ) .
إذًا: ثبت الجامع الذي هو العلة -المسح- في شيءٍ ثبت له نقيض الحكم الذي ذكره في مسح الرأس في الوضوء.
قال: (كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ) هذه العلة (مَسْحٌ) هذا الجامع.