يعني: حُرِّم النكاح لأجل هذه الحاجة.
فإذا تأبد التحريم حينئذٍ انسد باب الطمع الذي يُفضي إلى مقدمات الهم ونحوه، وهذا يفضي إلى الفجور، فحينئذٍ يعترض المعترض بأن سدَّه يفضي إلى الفجور.
كيف سدُّ باب المحارم يفضي إلى الفجور؟ هذا لو سده مطلقًا، حينئذٍ قد يقال بأنه يفضي إلى الفجور. لكنه ما سده مطلقًا، لم يسد باب النكاح وإنما خصَّه بالمحارم.
(فَيَعْتَرِضُ بِأَنَّ سَدَّهُ) {أَيْ: سَدَّ بَابِ النِّكَاحِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ} .
(يُفْضِي إلَى الْفُجُورِ) .
قال: (وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْبِيدَ) هنا في هذا المحل (يَمْنَعُ عَادَةً) يعني: {مِنْ ذَلِكَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّمَعِ} (فَيَصِيرُ طَبْعًا) يعني: {فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِتَمَادِي الأَيَّامِ وَتَطَاوُلِ الأَمْرِ طَبْعًا أَيْ: كَالطَّبِيعِيِّ بِحَيْثُ لا يَبْقَى الْمَحَلُّ مُشْتَهًى، وَيَصِيرُ بِانْقِطَاعِ الطَّمَعِ فِيهِ كَرَحِمِ مَحْرَمٍ} .
إذًا: هذا المثال ركيك، لكن أراد أن يعلِّل فقط، حينئذٍ جاء التعليل بكونه لم تفض تلك العِلَّة إلى ذلك الحكم المقصود (الْقَدْحُ فِي إفْضَاءِ الْحُكْمِ إلَى الْمَقْصُودِ) .
قال: {الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ} (كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا) .
ومعلوم أن الوصف لا بد أن يكون ظاهرًا، فإذا كان خفيًا صار موضعًا للقدح.
(كَوْنُ الْوَصْفِ {الْمُعَلَّلِ بِهِ} خَفِيًّا كَتَعْلِيلِهِ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِالرِّضَا) وليس كذلك، وإنما هو بالإيجاب والقبول ونحوه؛ لأن الرضا هذا أمرٌ خفي.
(كَتَعْلِيلِهِ) {أَيْ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ (صِحَّةَ النِّكَاحِ بِالرِّضَى) وَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَصْدِ فِي الأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى إزْهَاقِ النَّفْسِ} .
القصد خفي والرضا خفي فلا يتعلق بهما الحكم أبدًا.
(فَيُعْتَرَضُ) {عَلَى الْمُسْتَدِلِّ (بِأَنَّهُ خَفِيٌّ) أَيْ الرِّضَا خَفِيٌّ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ خَفِيٌّ؛ لاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّعْرِيفِ بِالدَّلِيلِ} هذا أمرٌ وكل أمر يقتضي الوجوب، هذا فيه شيءٌ من الخفاء.
حينئذٍ الحكم الشرعي خفي وما عُلِّق عليه خفي، وهذا خفيٌ في خفي.
(وَالْخَفِيُّ لا يُعَرِّفُ الْخَفِيَّ) .
(وَجَوَابُهُ) {بِأَنْ يُبَيِّنَ ظُهُورَهُ بِصِفَةٍ ظَاهِرَةٍ} .
يعني إذا كان ظاهرًا عند المستدل وادعى المعترض بأنه خفيٌ، حينئذٍ له أن يمنع، ومنعُه يكون ببيان أنه ليس بخفي .. بأنه ظاهر.
(وَجَوَابُهُ) جواب ذلك الاعتراض.
{بِأَنْ يُبَيِّنَ ظُهُورَهُ بِصِفَةٍ ظَاهِرَةٍ وَهُوَ (ضَبْطُهُ) أَيْ ضَبْطُ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الرِّضَا} (بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِيغَةٍ كَإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) وهو كذلك، لكن لا يكون هو محل الوصف الذي عُلِّق عليه، ولذلك يعتبر الرضا شرطًا في صحة البيع وهو من الشروط، من آكدها، وكذلك النكاح يعتبر الرضا شرطًا، لكن هل علّق الشرع عليه الحكم الشرعي؟ الجواب: لا؛ لكونه خفيًا وإنما يُنظر إليه إلى ما يدل عليه.