وهذان جوابان فيهما توسُّع، وهما أن يقال بأن الحكمة إما أن تكون عِلَّة أو لا.
إن كانت عِلَّة وصلح إناطة الحكم بها فحينئذٍ يرجع إليه فيُثبت أن الحكمة عِلَّة، وإن لم تكن كذلك فحينئذٍ نقول: صح الاعتراض بأن الحكمة لا تكون مناطًا للحكم؛ لأنها غير منضبطة.
إذًا: (وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ) هذا واضح، إن كانت العِلَّة منضبطة بنفسها والحكمة هي عِلَّة على هذا القول.
ولذلك قال: {بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ} لأنها كيف تكون منضبطة بنفسه؟ أصل المسألة: (كَتَعْلِيلِهِ بِالْحِكَمِ) ومر معنا المصنف يرى أنه لا تعليل بالحِكم.
ثم قال في الجواب بأنه (مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ) يعني: الحكمة نفسها منضبطة، كيف تكون منضبطة وهي لا تصح أن تكون عِلَّة؟ ففيه شيءٌ من التعارض.
ولذلك أراد أن يوزِّع المسألة فقال في الجواب: {مُنْضَبِطٌ إما بِنَفْسِهِ كَمَا تَقُولُ فِي الْمَشَقَّةِ} . كيف مشقة والمضرة؟ {بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ إذَا انْضَبَطَتْ} .
إذًا: هذا الجواب ليس هو جوابًا مباشرًا للاعتراض السابق، لماذا؟
لأنه هو علَّل بالحكمة، وإذا كان كذلك إما أن يَرى التعليل بالحكمة أو لا، وإن كان يرى التعليل بالحكمة مر معنا قولٌ وهو ضعيفٌ جدًا بأن كل حكمة تصلح أن تكون عِلَّة وهذا ضعيف.
يبقى القول الثاني: وهو إذا كانت منضبطة، حينئذٍ كيف يجيب الانضباط بالانضباط؟ هذا فيه نظر
قال {الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ} : (النَّقْضُ) .
وهذا مرَّ شيءٌ من ذلك في بيان ما يتعلق بالعلة.
النقض -مر معنا-: وجود العِلَّة بلا حكم، بناءً على اشتراط الطرد .. الملازمة في الثبوت.
(النَّقْضُ) وجود العِلَّة بلا حكمٍ، أو عدم اطراد العِلَّة، وعند المصنف مر معنا أنه لا يقدح مطلقًا، وقلنا الصواب أنه يقدح في المستنبطة، والمنصوصة إذا وُجد المانع أو فات الشرط. وحينئذٍ صح عدم اعتبار العِلَّة.
إذًا: النقض هو عدم الاطراد، وهو وجود العِلَّة بلا حُكم.
أتى بالمثال مباشرة لأنه مر تعريفه قال: {كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ} : (الْحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ) وهذا مقيس عليه البذلة، البِذلة المراد بها ما يُلبس في المهنة والعمل ولا يصان، ويجمع على بِذل فِعل، بِذْلة فِعْلة.
(الْحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) بناءً على أن كل مالٍ غير نامٍ لا زكاة فيه.
(كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ) هذا مقيس عليه، كما أن الثياب التي تُلبس في المهنة وغيرها مما يُستعمل كالخيل والمركوب والعبد .. هذا لا زكاة فيه، جاء النص فيه.
فالحلي مثله، كما أن ثياب المهنة والعمل هذه غير نامية وهي مما يستعمله الإنسان، فحينئذٍ جاء النص بأنه لا زكاة فيها، كذلك الحلي الذي لا يُستعمل في التجارة قال: (مَالٌ غَيْرُ نَامٍ) هذا دل على أنه خاصٌ.
قال: (فَيُعْتَرَضُ {عَلَيْهِ} بِالْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ) .
كأن المعترض هنا يرى أن الحلي المحرّم فيه زكاة، وهو مالٌ غير نامٍ.
(وَجَوَابُهُ) أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ:
إمَّا (بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) أنها غير موجودة.