{وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلاًّ، فَهُوَ قَلْبٌ لِقَاعِدَةِ الْمُصْطَلَحِ؛ لِكَوْنِهِ يَبْقَى مُسْتَدِلاًّ وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا} فيبقى كلًا في محله.
إذًا قال: (أَوْ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحُكْمِ فِيهَا وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهَا) يعني: في الصورة، فينفي الحكم ويسكت عن العِلَّة.
ينفي الحكم .. الكلام هذا تابع للأخير (وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ) تابع لقوله .. يكون جوابه بـ (بِمَنْعِ وُجُودِ الْحُكْمِ فِيهَا) .
قال هنا: {وَقَالَ أَهْلُ الْجَدَلِ وَجَمْعٌ مِنْهُمْ الآمِدِيُّ} : (وَلَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِهَا بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك فَقَدْ انْتَقَلَ مِنْ نَقْضِهَا إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلَا يُقْبَلُ) .
{قَالَ أَهْلُ الْجَدَلِ} : (وَلَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِهَا) يعني: وجود العِلَّة في محل التعليل .. أنها موجودة.
(بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) نفس الدليل يدل على وجودها.
{فَنَقَضَ الْمُعْتَرِضُ الْعِلَّةَ} أبطلها {فَمَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ} يعني: سلَّم بذلك.
(فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك) {حِينَئِذٍ؛ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ عَلَى زَعْمِك} .
فإذا سلَّم المستدل بأن العِلَّة غير موجودة انتقض دليله الأصلي، هل سلط المعترض النقض مباشرة على الدليل أو باللازم؟ باللازم، ليس بالتسليط.
قال: (فَقَدْ انْتَقَلَ) {الْمُعْتَرِضُ (مِنْ نَقْضِهَا) أَيْ: نَقْضِ الْعِلَّةِ} (إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلَا يُقْبَلُ) يعني: لا يُسمع؛ لأنه انتقالٌ والانتقال ممنوع هنا.
(وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ دَلِيلٌ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ) .
{وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ دَلِيلٌ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: أَتَى بِمُسَمَّى الصَّوْمِ} يعني: مكلَّف {أَتَى بِمُسَمَّى الصَّوْمِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ} .
ما هو محل الوفاق؟ لو أمسك قبل الفجر، هذا محل وفاق، ومحل الخلاف: في فرضٍ أمسك بعد طلوع الفجر، قبل الزوال، بعد الزوال .. الأمر هيِّن.
فعندنا محل وفاق ومحل خلافٍ.
قال: {أَتَى بِمُسَمَّى الصَّوْمِ} بمطلق الصوم.
{فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ} يعني: قاسوا محل الخلاف على محل الوفاق كما لو أمسك قبل طلوع الفجر.
{وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ إمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ} .
لكن هل هذا يسلَّم؟ هذا لا يسلَّم، لكنه من باب التمثيل والتنظير فقط، وإلا هو لا يسلِّم به.
يعني: إذا سلَّم بأن الصوم موجودٌ بعد طلوع الفجر في الفرض انتهت المسألة، لكنه لا يسلِّم بذلك.