قال: {أَتَى بِمُسَمَّى الصَّوْمِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ إمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ} هل كل إمساكٍ مع النية يكون صومًا؟ لا.
يعني لو أتى هكذا بمسمى الصوم، مسمى الصوم إمساكٌ مع نية، هل صح الاستدلال به؟ نقول: لا. لو سلَّم به لبطل اعتراضه من أصله. يعني: بطل دليل المستدل، لماذا؟ لأنه ليس كل صومٍ إمساك مع نية، لا بد أن يكون إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا يسلِّم به، ويكون النية مصاحبة للإمساك، أما مطلق إمساك مع نية نقول: لا. ليس هذا هو الصوم الشرعي، وإنما هذا الصوم صوم يتعلق بالنفل.
قال: {وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ} يعني: دليلٌ موجودٌ في صورة النقض.
{فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: تَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ} وهي إمساكٌ مع النية {بِمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ} لأنه قبله إمساكٌ بلا نية فقد وُجد، حينئذٍ انتقضت العِلَّة من أصلها.
{فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ} يعني: مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي محل النَّقْضِ: لا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك الَّذِي اسْتَدْلَلْتَ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ.
فسلَّم في موضعٍ بأن الصوم إمساكٌ ونية، ونفى في موضعٍ بأنه إمساكٌ بلا نية، وحينئذٍ رجع إلى نفسه بالنقض، وهذا إبطالٌ لدليله.
{قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي مَعْرِضِ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ، فَتَارَةً يَقْدَحُ فِيهَا، وَتَارَةً يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهَا، وَالانْتِقَالُ مِنْ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ إلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهَا جَائِزٌ} وما سبق قال: لا يُقبل. يعني: فيه نزاع، الجمهور على أنه لا يُقبل.
لو انتقل من النقض .. نقض العِلَّة إلى نقض دليلها قال: لا يُقبل، لكن هو قد يكون لازمًا له، لو نقض العِلَّة انتقض الدليل. وهذا الذي دندن حوله ابن الحاجب.
يقول: {لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي مَعْرِضِ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ، فَتَارَةً يَقْدَحُ فِيهَا} بذاتها .. في العلة {وَتَارَةً يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهَا} لأن إبطال الدليل إبطالٌ للعلة.
{وَالانْتِقَالُ مِنْ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ إلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهَا جَائِزٌ} لأنه ما خرج عن المقصود، هو أراد إبطال العِلَّة، إبطال العِلَّة له جهتان: إما أن يبطلها بنفسها، وإما أن يبطل دليلها.
{وَالانْتِقَالُ الَّذِي لا يَكُونُ جَائِزًا: هُوَ الانْتِقَالُ مِنْ الاعْتِرَاضِ إلَى الاسْتِدْلالِ} .
يعني: يعترِض ولا تستدل، أما أن تعترض وتستدل فحينئذٍ انقلب المعترض مستدلًا .. انقلبت القاعدة، وهذا ممنوعٌ عندهم.
(وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً) المعترِض (يَلْزَمُك انْتِقَاضُ عِلَّتِك، أَوْ دَلِيلِهَا: قُبِلَ) يعني: على جهة الإجمال، ولا يطالَب بإثبات هذا الكلام بالدليل.