لا بَيَانُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، حَتَّى لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ إلْزَامًا لَهُ، وَرُبَّمَا سَلَّمَهُ.
وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِهِ لَزِمَهُ: فَلأَنَّهُ الْتَزَمَ أَمْرًا يعني: قال: هذا الوصف في الأصل ولم تعتبره أنت وعلَّقت على وصفٍ آخر، وهو غير موجودٍ في الفرع، لزمه أن يبيِّن كيف أن هذا الوصف منتفٍ عن الفرع.
أما إذا سكت فحينئذٍ سلِم. وإذا صرَّح بأنه ليس في الفرع لزمه أن يبيّن كيف كان هذا الوصف نافيًا أو منتفيًا عن الفرع.
قال: {فَيَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ} .
قال: (وَلَا يَحْتَاجُ وَصْفُهَا إلَى أَصْلٍ) .
{هَذَا بَحْثٌ آخَرُ يَتَفَرَّعُ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ وَصْفِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي ذَلِكَ الأَصْلِ، حَتَّى يُقْبَلَ مِنْهُ، بِأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ دُونَ الْقُوتِ -كَمَا فِي الْمِلْحِ- أَمْ لا؟} .
يعني: إذا اعتَرض على المستدل بإبداء وصفٍ آخر، هل يلزم المعترض أن يأتي بأصلٍ تأثَّر فيه ذلك الحكم بذلك الوصف أم لا؟ قال: لا يحتاج .. لا يحتاج وصفُها أي: المعارضة إلى أصلٍ، فبمجرد المعارضة إبداءُ وصفٍ في الأصل كفى، فلا يحتاج إلى أصلٍ آخر كالملح مثلًا يُبدي فيه هذا الوصف.
ولا يحتاج إلى أن يبيِّن أن هذا الوصف منتفٍ عن الفرع، إلا إذا صرَّح به فيلتزم بذلك.
قال: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ حَاصِلَ هَذَا الاعْتِرَاضِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
إمَّا نَفْيُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ وهذا حاصلٌ التزامًا وإن لم يصرِّح به {وَيَكْفِيهِ} يعني: المعترض {أَنَّهُ لا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهَا بِالاسْتِقْلالِ} .
يعني: الوصف الذي زاده على المستدل، لا يثبت أنه عِلَّة باستقلال؛ لأنه لو أثبت أنه عِلَّة باستقلال نقول: نعم. يجوز تعليل الحكم بعلتين فيلتزمه.
كذلك إذا أثبت أن هذا المعنى غير مستقل يكفيه ذلك في إبطال الحكم.
{إمَّا نَفْيُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَكْفِيهِ أَنَّهُ لا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهَا بِالاسْتِقْلالِ وَلا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُثْبِتَ عِلِّيَّةَ مَا أَبْدَاهُ بِالاسْتِقْلالِ. فَإِنَّ كَوْنَهُ جُزْءَ الْعِلَّةِ يُحَصِّلُ مَقْصُودَهُ فَقَدْ لا يَكُونُ عِلَّةً فَلا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلٍ أَصْلًا} .
قال: {وَإِمَّا صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لِجَوَازِ أَنَّ تَأْثِيرَ هَذَا} يعني: الوصف الذي زاده المعترض {والاحْتِمَالِ كَافٍ، فَهُوَ لا يَدَّعِي عِلِّيَّتَهُ، حَتَّى يَحْتَاجَ شَهَادَةَ أَصْلٍ} .
يعني: كأنه يعترض بأن هذا الوصف يمكن تعليق الحكم عليه ولكنه لم يلتفت إليه المستدل.
قال: {وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَصْلَ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ} يعني: أصل المستدل أصل المعترض، هذا جوابٌ آخر بأنه لا يحتاج إلى أصلٍ آخر.