ولذلك المصنف أفرد القوادح وبعضها يدخل تحت بعض، وبعض الأصوليين -بل كثيرٌ منهم- يجعلون هذا النوع داخلًا تحت المنع؛ لأن مركب الأصل يمنع المعترِض فيه كون الوصف عِلَّة.
ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف، وهذا حينئذٍ يكون على هذا القادح هذا تكرار مع المنع، وكلاهما إما في الأصل الذي هو الحكم وإما في العِلَّة، وإذا كان كذلك فحينئذٍ استقلاله هذا يُعتبر من التكرار.
قال: سُؤَالُ التَّرْكِيبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُرُودِهِ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ.
مِنْ اخْتِلافِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ.
ثم قال: {كقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ الْبَالِغَةُ أُنْثَى، فَلا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَالْخَصْمُ يَعْتَقِدُ -العِلَّة- لِصِغَرِهَا} .
الخصم الذي هو الحنفي، فالبالغة أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة، هذا عند أحمد والشافعي: يعتقدان أن بنت خمس عشرة لا تزوج نفسها لأنوثتها، هذه العِلَّة، لا لكونها غير بالغة وإنما هي بالغةٌ.
وعند أبي حنيفة للعلة التي ذكرها المصنف (لِصِغَرِهَا) إذْ الجارية عند أبي حنيفة لا تبلغ إلا لتسع عشرة سنة، حينئذٍ اختلفا في العِلَّة: {الْبَالِغَةُ أُنْثَى، فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ} . بنت خمس عشرة عند أحمد والشافعي بالغةٌ، والخصم يعتقد العِلَّة لماذا؟ الصغر، لماذا؟ لأن البلوغ منتفي عنده، وهو أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
فالعلتان موجودتان فيها فللحنفي أن يقول للمستدل: أنت علتك المنع في البالغة بالأنوثة، والمنع في بنت خمس عشرة عندي معللٌ بالصغر، فما اتفقت عِلَّة الأصل والفرع فلا يصح فيه الإلحاق.
قال هنا: وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَاسِدٌ.
قِيلَ: لِرَدِّ الْكَلامِ إلَى سِنِّ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.
وَقِيلَ: لأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ أَوْ الْعِلَّةِ.
وهنا اختلفا في العِلَّة عند أحمد والشافعي الأنوثة هنا هي العِلَّة؛ لأن بنت خمس عشرة بالغة، وعند أبي حنيفة الصِّغر.
{ثُمَّ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لاشْتِمَالِهِ عَلَى مَنْعِ حُكْمٍ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ نَصُّهُ بِخِلافِهِ} .
هذا قولٌ.
والثاني الذي رجَّحه المصنف أنه صحيح.
يعني: سؤال التركيب الذي يعود إلى المركب -مركب الأصل أو مركب الوصف- قال: {صَحِيحٌ وَهُوَ الأَصَحُّ؛ لأَنَّ حَاصِلَهُ مُنَازَعَةٌ فِي الأَصْلِ، فَيُبْطِلُ الْمُسْتَدِلُّ مَا يَدَّعِي الْمُعْتَرِضُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِهِ، لِيَسْلَمَ مَا يَدَّعِيهِ جَامِعًا فِي الأَصْلِ} .
فإما أن يُبطل بأن بنت خمسة عشر ليست بالغة، وإما أن يبيّن بأن بنت خمسة عشر بالغة .. إما هذا أو ذاك.
فحينئذٍ إما أن تُبطَل عِلَّة أحمد والشافعي بأن العِلَّة هي الأنوثة وأن بنت خمسة عشر ليست بالغة، أو العكس. يعني يُنظر في عِلَّة الحنفي فيقال ليست الصغر وإنما هي البلوغ ويبيَّن أن البلوغ يكون بخمسة عشر لا تسعة عشر.
إذًا: هذا القادح: سؤال التركيب، والتكرار مع ما سبق؛ لأن مورده القياس المركب وهو مركب الأصل ومركب الوصف.
{الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ} : (التَّعْدِيَةُ) .