وأما العرض العام فهو ما كان وصفًا خارجًا عن الذات لكنه مشترك كالمشي، المشي هذا ليس من خصائص الإنسان، الحيوان غير الإنسان يمشي، وكذلك الإنسان يمشي، فحينئذٍ نقول: هذا وصف عام، ولذلك لا يصلح أن يكون داخلًا في الحدود.
إذًا: ما كان داخلًا أو جزء الماهية فهو كلي ذاتي وما كان خارجًا عنها خاصة أو عرضًا عامًا فهو كلي عرضي.
وَالْكُلِّيَّاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ ... جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخَاصْ
أربع منها اثنان كليان ذاتيان، واثنان عرضيان: الجنس والفصل كليان ذاتيان، والخاصة والعرض العام كليان عرضيان.
بقي النوع ففيه خلاف، هل هو كلي ذاتي أم عرضي أم هو بين النوعين؟ فيه ثلاثة أقوال.
قال: وهو ذاتي .. القسم الأول، وعرضي، وهو القسم الثاني.
قال رحمه الله تعالى: {إذَا تَقَرَّرَ هَذَا} (فَإِنْ تَفَاوَتَ) الفاء هذه للتفريع يعني: يتفرع على معرفة الكل من حيث هو من حيث معناه، ثم من حيث كونه داخلًا في الماهية أو خارجًا عن الماهية، (فَإِنْ تَفَاوَتَ) .
الكلي ينقسم إلى ذاتي وعرضي باعتبار السابق، وله أقسام أخرى: ينقسم كذلك إلى متواطئ ومشكك؛ لأنه إن كان حصول معناه في أفراده على التساوي فهو المتواطئ، علمنا أن مدلول الكلي يشترك فيه أفراد كثيرون، حينئذٍ هذا المعنى الذي اشترك فيه الأفراد إما أن يشترك فيه الأفراد على التساوي أو على التفاوت، على التساوي بألا يختلف زيدٌ عن عمرو في معنى الإنسانية، أو على التفاوت بأن يكون بعض الأفراد أظهر فيه المعنى من غيره، وحينئذٍ ينقسم الكلي بهذا الاعتبار إلى متواطئ ومشكك.
قال هنا: لأنه إن كان حصول معناه في أفراده على التساوي فهو المتواطئ، كدلالة الإنسان على زيد وعمرو ونحوه؛ إذ كل فرد من أفراده لا يزيد على الآخر في الإنسانية، تقول: زيد إنسان، وعمرو إنسان، وخالد إنسان.
ما المراد بالإنسان؟ حيوان ناطق.
هل زيد يختلف في هذه الإنسانية عن عمرو في أصلها؟
الجواب: لا، وعمرو لا يختلف كذلك عن خالد، وخالد لا يختلف عن محمد .. حينئذٍ نقول: هذه الأفراد كلها قد اشتركت في مدلول الإنسان بالتساوي، فلا يزيد واحد منهم عن الآخر في شيء البتة، ويسمى متواطئًا مأخوذ من التواطؤ وهو التوافق.
وإن كان حصول ذلك المعنى في بعض أفراده يتفاوت في مفهومه فهو المشكك، فحينئذٍ الكلي ينقسم باعتبار استواء أفراده في معناه وتفاوتها فيه إلى متواطئ ومشكك، ولذلك قال المصنف: (فَإِنْ تَفَاوَتَ) .
{أَيْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُ الْكُلِّيِّ} في مدلوله يعني: في صدق المدلول عليها {بِقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ, كَنُورِ السِّرَاجِ وَالشَّمْسِ} السراج له نور، والشمس لها نور، هل يستويان؟ الجواب: لا، النور موجود هنا وهناك، حينئذٍ داخل في المفهوم، لكن الشمس النور فيها أقوى من السراج، المعنى موجود لكنه ليس على السواء.