قال: {وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: صَبِيٌّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلا يُزَكِّي، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَيَنْتَقِضُ بِعُشْرِ زَرْعِهِ وَالْفِطْرَةِ} يعني: تجب عليه.
{فَسُؤَالٌ صَحِيحٌ. بِخِلافِ التَّفْرِقَةِ بِالْفِسْقِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْعِلَّةِ} .
أما كونه في السابق صبيٌ غير مكلف فلا يُزكي، جعلَ التكليف عِلَّة كمن لم تبلغه الدعوة {فَيَنْتَقِضُ بِعُشْرِ زَرْعِهِ وَالْفِطْرَةِ} يعني: وجوب زكاة الفطرة والنفس، وزكاةُ المال واضحة.
قال: {وَالثَّانِي وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ} : (اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ) .
كلها متداخلة، ولذلك عدَّها ابن قدامة اثني عشر فقط، وبعضهم عدَّها ستًا.
{بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: فِي قِيَاسِكَ اخْتِلافُ الضَّابِطِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ} .
فليس ضابط الأصل هو ضابط الفرع فلا وثوق بما ادعيتَ جامعًا بينهما.
قال: {كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ} (تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ فَقِيدُوا كَمُكْرِهٍ) .
(تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ) يعني: شهادة زورٍ بالقتل.
{تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ إلَى الْقَتْلِ عَمْدًا فَقِيدُوا} يعني: اقتصوا منهم.
{أَيْ فَلَزِمَهُمْ الْقَوَدُ كَمُكْرِهٍ عَلَى الْقَتْلِ} كمن أكرَه.
أكره زيدٌ أن يقتل عمروٌ بكرًا، حينئذٍ المُكرِه -زيد- يُقتص منه.
قال: كذلك هنا فيما إذا تسببوا بالشهادة.
{فَيُقَالُ أَيْ: فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ ضَابِطُ الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَضَابِطُ الأَصْلِ الإِكْرَاهُ. فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَسَاوٍ} .
أين وجه الجمع؟ هذا إكراهٌ وهذا شهادة، والشهادة تكون بالاختيار، إلا إذا أُكرهوا على الشهادة، فحينئذٍ حصل التساوي، وأما على قوله: تسببوا الشهادة فظاهره الاختيار. ومر معنا أن الإكراه والاختيار لا يقاس أحدهما على الآخر.
فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَسَاوٍ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَحَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ وُجُودِ الأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
قال: (وَجَوَابُهُ بَيَانُ أَنَّ الْجَامِعَ التَّسَبُّبُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَضْبُوطٌ عُرْفًا) .
يعني: إذا أراد أن يجيب المستدل، نقول: لا. التسبُّب مشتركٌ بينهما يعني: الإكراه تسبَّب، والشهادة أو الذين شهدوا تسبَّبوا. إذًا: قدرٌ مشترك وهو كون كل منهما سببًا.
لكن هذا وجوده في الذهن، لا وجود له في الخارج؛ لأنه لا يوجد سببٌ إلا إما باختيارٍ أو إكراه، فوُجد بالاختيار في الشهادة ووُجد بالإكراه في غيره.
{وَجَوَابُهُ أَيْ جَوَابُ الاعْتِرَاضِ بِاخْتِلافِ الضَّابِطِ بَيَانُ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ} في المثال السابق {التَّسَبُّبُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الأَصْلِ، وَهُوَ الإِكْرَاهُ وَالْفَرْعِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَهُوَ أَيْ: التَّسَبُّبُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مَضْبُوطٌ عُرْفًا} .
لكنه غير موجود في الخارج، وإنما موجودٌ في ضمن فرده.
قال: (أَوْ) جواب آخر.