قال: (وَالْمُعَوَّلُ فِيهِ: عَلَى إظْهَارِ الْحُجَّةِ، وَإِبْطَالِ الشُّبْهَةِ فَيُرْشِدُ الْمُسْتَرْشِدَ وَيُحَذِّرُ الْمَنَاظِرَ) .
(إظْهَارُ الْحُجَّةِ) في الحق، في قوله هو، ثم يبطل شبهة الخصم (فَيُرْشِدُ الْمُسْتَرْشِدَ وَيُحَذِّرُ الْمَنَاظِرَ) .
{قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: وَكُلُّ جَدَلٍ لَمْ يَكُنْ الْغَرَضُ فِيهِ نُصْرَةَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالْمَضَرَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ؛ لأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تُوحِشُ} وهذا أمرٌ طبَعي، إذا الإنسان ما قوَّى نفسه وقوَّى إيمانه وتعلَّق بالله عز وجل، وكان الحق أحبَّ إليه من نفسه لا بد من الوحشة التي تقع في النفوس.
لأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تُوحِشُ، وَلَوْلا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ، وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ بِالاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلالَتِهِ، لَمَا حَسُنَتْ الْمُجَادَلَةُ لِلإِيحَاشِ فِيهَا غَالِبًا، وَلَكِنْ فِيهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ إذَا قُصِدَ بِهَا نُصْرَةُ الْحَقِّ، وَالتَّقَوِّي عَلَى الاجْتِهَادِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ، وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: طَلَبُ الرِّيَاسَةِ طلب الرياسة لا يلزم منه الحكم والوزارة ونحوها، وإنما طلب الرياسة أن يكون رئيسًا حتى في العلم.
{وَالتَّقَدُّمِ بِالْعِلْمِ} وهذا داخلٌ في طلب الرياسة {يُهْلِكُ، ثُمَّ ذَكَرَ اشْتِغَالَ أَكْثَرِهِمْ فِي الْجَدَلِ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْغَلَبَةُ وَالرِّفْعَةُ، وَإِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى: (( فَلا يُنَازِعُنَّك فِي الأَمْرِ ) )أَيْ: فِي الذَّبَائِحِ. وَالْمَعْنَى: فَلا تُنَازِعُهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: (( وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) )قَالَ: وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ، عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ لِيَرُدُّوا بِهِ مَنْ جَادَلَهُمْ بِهِ تَعَنُّتًا وَلا يُجِيبُوهُ} .
إذا ظننت بأن هذا يجادلك تعنتًا فالأصل فيه عدم الجواب.
قال: (فَلَوْ بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ تَوَجَّهَ تَحْرِيمُ مُجَادَلَتِهِ) .
فالجدل حينئذٍ على ما مر قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًا, وقد يكون مباحًا. يعني: تعتريه الأحكام الخمسة.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: تَوَجَّهَ فِي تَحْرِيمِ مُجَادَلَتِهِ خِلاَفٌ، كَدُخُولِ مَنْ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ مَنْ تَلْزَمُهُ لَنَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: قُلْت: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ التَّحْرِيمُ.
يعني: هذه المسألة مُنزَّلةٌ على مسألة البيع ممن لا تلزمه الجمعة، لكن هنا (بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ تَوَجَّهَ تَحْرِيمُ مُجَادَلَتِهِ) وهو كذلك.
قال: (وَيَبْدَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) .
يعني: كُلٌ من المتجادِلَين قبل الشروع في الجدال يحمد الله تعالى ويثني عليه.