يعني: تيقن الطهارة وشك في الحدث، فالأصل بقاء الطهارة.
{فَيَبْقَى الأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ مُتَحَقِّقًا؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ: أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: } ردّه إلى اليقين مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا؟ فَلا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ هذا نهي، لا يجوز له أن يخرج لمجرد الشك، وإنما يُعمِل اليقين وهو أنه متطهر {فَلا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا} .
ردَّه إلى اليقين، لا بد من السماع أو الرائحة.
{فَلَوْ شَكَّ فِي امْرَأَةٍ هَلْ تَزَوَّجَهَا أَمْ لا؟} الأصل عدم النكاح.
وهكذا من المسائل المبنية على هذا الأصل العظيم.
قال: {وَلا تَخْتَصُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِالْفِقْهِ، بَلْ الأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ عَدَمُهُ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ} ومر معنا أن الأصل العدم، وهو كذلك.
{وَلأَجْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: كَانَ الاسْتِصْحَابُ حُجَّةً} .
قال: {وَمِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا زَوَالُ الضَّرَرِ بِلا ضَرَرٍ} (زَوَالُ الضَّرَرِ بِلَا ضَرَرٍ) .
الضرر يزال قاعدة فقهية كبرى.
يَعْنِي: أَنَّهُ يَجِبُ إزَالَةُ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَ بِإِزَالَتِهِ ضَرَرٌ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَأَلِفٍ بَيْنَ الرَّاءَيْنِ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِيهَا مِنْ الْفِقْهِ مَا لا حَصْرَ لَهُ وَلَعَلَّهَا تَتَضَمَّنُ نِصْفَهُ. فَإِنَّ الأَحْكَامَ إمَّا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ، أَوْ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا دَفْعُ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ وَتَقْرِيرِهَا بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَوْ تَخْفِيفِهَا.
وهذه كما مر معنا في القواعد.
{وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ) يَعْنِي أَنَّ وُجُودَ الضَّرَرِ يُبِيحُ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ أَيْ: الْمُحَرَّمِ، بِشَرْطِ كَوْنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ أَخَفَّ مِنْ وُجُودِ الضَّرَرِ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ -بَلْ وَجَبَ- أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَكَذَلِكَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَبِالْبَوْلِ. وَقَتْلُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ إذَا صَالَ عَلَيْهِ} وكثير من الفروع المتفرعة على هذه المسألة.