{وَلأَنَّ مَنْ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ لا يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ} .
هذا الأصل: أن الذي لا يُحسن لسان العرب لا ولن يتمكن من معرفة أو استنباط الأحكام الشرعية من مظانها من الكتاب والسنة.
{لأَنَّهُمَا} أي: الكتاب والسنة {فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْ مَرَاتِبِ الإِعْجَازِ} .
ولا شك أن مراتب الإعجاز تتفاوت، والكتاب أعلى ثم السنة، حينئذٍ من الذي يستطيع أن يقوَى على الفهم؟ من كانت عنده دُربة على لسان العرب حتى يصل إلى الفهم.
قال: {لأَنَّهُمَا فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْ مَرَاتِبِ الإِعْجَازِ فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِه} يعني: المجتهد {أَوْضَاعَ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَكَلامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ وَمَوَاقِعِ كَلامِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَرْجُوحِ جَائِزًا فِي كَلامِهِمْ} .
يعني: حمله على المجاز مثلًا، هذا مرجوح.
قال: (وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ) .
يُشترط في المجتهد: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ لئلا يبحث عنه، أو يأتي بقولٍ يخالفه. والمختلف فيه لئلا يدَّعي الإجماع وليس ثم إجماع.
فلا بد أن يعرف أين يبحث، يبحث في ماذا؟ فيما اختلف فيه أهل العلم، وأما المجمع عليه فليس محلًا للبحث.
ولئلا يحكي إجماعًا في موضع الخلاف، أو يحكي خلافًا في موضع الإجماع. هذا خلل، وإن كان قد يقع يعني في النقل، وخاصة في الإجماعات عند المتأخرين، لكن ينبغي التحرز في نقل الإجماع.
قال: {وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَتَّى لا يُفْتِيَ بِخِلافِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَدْ خَرَقَ الإِجْمَاعَ} .
قال: (وَأَسْبَابِ النُّزُولِ) .
{قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي الآيَاتِ، وَأَسْبَابِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَحَادِيثِ؛ لِيَعْرِفَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ تَخْصِيصٍ أَوْ تَعْمِيمٍ} .
سبب النزول في الآي، أو سبب الحديث لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا مما يُعين على فهم الآية والحديث كما نص على ذلك ابن تيمية في مقدمة التفسير.
(وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَيَمْتَنِعُ) .
يعني: يُشترط فيه أن يكون عالمًا بباب المعتقد. هذا الأصل فيه.
قال: {أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى} وما المراد بالمعرفة؟ إن كان المراد به الوجود هذا يستوي فيه المجتهد والعامِّي، والمسلم والكافر، وإبليس .. وغيرهم، كلهم يؤمنون بوجود الله تعالى، ولا خلاف بينهم، اتفقت البشرية على ذلك.
وإنما الخلاف في كونه هو المعبود جل وعلا المطاع.
(مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ) له جل وعلا وهو ما لا يجوز الانفكاك عنها.