قال: {إذْ لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ} ومر معنا أن قولهم: العلم بالقواعد أو الأدلة أو الأحكام الشرعية العملية؛ أن الأحكام"أل"فيها للاستغراق ولكن المراد به العلم بالبعض بالفعل والعلم بالبعض بالقوة؛ بحيث لو سئل عن شيء لا يعلمه قال: الله أعلم. ويبحث ثم يستنبط ذلك.
وهذا لا يضر: وَالعِلمُ بِالصَّلاَحِ فِيمَا قَدْ ذَهَبْ. يعني: يُشترط العلم أن تكون عنده صُلُوحِية في قدرته على النظر، فلا يلزم أن يكون عالمًا مستحضرًا لجميع المسائل وإلا فليس من أهل العلم، لكن عنده قدرة وعنده ملكة تحققت فيه الشروط السابقة، فلو بحث ونظر لاستطاع أن يصل إلى الحق بنفسه.
وأما أن يكون مجتهدًا في جميع المسائل فهذا لا يلزمه. بل هو محال كما قال هنا.
{إذْ جَمِيعُهَا لا يُحِيطُ بِهِ بَشَرٌ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَآخِذِ: الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ} العلم بجميع المآخذ ممكن. يعني: الأصول التي اعتمد عليها أحمد، جميع المآخذ .. كيف أخذ الإمام أحمد الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، يمكن حصرُه أو لا؟ يمكن حصره.
إذا علم جميع المآخذ لا يلزم من ذلك العلم بجميع الأحكام؛ لأن كل مأخذ قد يدخل تحته ما لا حصر له من المسائل.
إذًا: العلم بالمآخذ هذا ممكن، وهو أصول الفقه أو الأصول التي اعتمد عليها الإمام، وأما الأحكام الشرعية المتفرعة على كل مأخذٍ، هذا لا يمكن حصره.
{لأَنَّ بَعْضَ الأَحْكَامِ قَدْ يُجْهَلُ بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ فِيهِ} فيتوقف، بعض الأحكام المجتهد قد ينظر تتعارض عنده الأدلة، حينئذٍ ماذا يصنع؟
إذًا: لن يعلم حُكم هذه المسألة، توقَّف.
{أَوْ بِالْعَجْزِ} عجز {عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَرِ} المبالغة .. لذلك قال في تعريف الاجتهاد: استفراغ الوسع، هذا المراد بالمبالغة هنا: أن لا يبقى شيءٌ إلا وقد بذله.
{أَوْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَرِ إمَّا لِمَانِعٍ مِنْ تَشْوِيشِ فِكْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ} .
انشغل يعني، لا يستطيع أن ينظر. لا إشكال فيه.
{وَقِيلَ: لا يَتَجَزَّأُ} والصواب هو الأول.
قال: (وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوَقَعَ) .
هل يجوز للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجتهد؟ نعم، وهل يجتهد في الدنيا والشرع؟ نعم. يجوز فيهما، لكن قدَّم الدنيا ولعله يأتي ما بعده.
(وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوَقَعَ) {قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ إجْمَاعًا} .
هذا لقصته مع الأنصار لما رآهم يُلقِّحون نخلهم فقال لهم: لو تركتموه ... إلى أن قال: أنتم أعلم بشئون دنياكم.
هذا اجتهاد أو لا؟ اجتهاد، أبدى رأيه عليه الصلاة والسلام.
قال: (وَوَقَعَ) يعني: وقع كما في القصة السابقة.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ إجْمَاعًا} وكما وقع في بعض الحروب، أنه أنزلهم على بعض الأماكن قيل له: هل هو وحيٌ أم الحرب والمكيدة؟ قال: لا إنما الحرب والمكيدة. هذا اجتهادٌ منه.
وقد يقال بأنه يتعلق بأمر الشرع وقد يقال بأنه يتعلق بأمر الدنيا.