قال: (وَفِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلًا وَشَرْعًا) .
يعني: يجوز اجتهاد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر الشرعِ؛ لأنه أحد المجتهدين، ويصدق عليه ما مر معنا.
{وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا فِي أَمْرِ الشَّرْعِ} ولذلك غريب من المصنف هنا يقول: يجوز اجتهاده، وأخرجه من حد الاجتهاد.
قال: (اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ) فخرج به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا فيه تضارب.
قال: {وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا فِي أَمْرِ الشَّرْعِ} يعني: الأحكام الشرعية وهو كذلك.
(عَقْلًا) فلا يمنع العقل بدليل الوقوع، دائمًا تستدلون على الجواز العقلي بأنه وقع؛ إذ لو لم يجُز عقلًا لما وقع شرعًا؛ لأن الشرع لا ينابذ العقل أبدًا، ليس بينهما مصادمة، فشيءٌ جاء به الشرع وفعله الصحابة وفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينبغي أن يقال: هل يجوِّزه العقل أم لا؟ وإن كان يُذكر خلاف بين الأصوليين، لكن هذه عقولهم، لكن نحن نقول: لا ينبغي أن يقع خلاف.
هل يجوز عقلًا أو لا؟
يحكُون أنه واقعٌ شرعًا، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو فعَله الصحابة أو أو .. إلى آخره، ثم يقال: يجوز عقلًا أو لا؟ عقلُ من هذا؟ عقل المستنير بالكتاب والسنة لا يمكن أن يأتي الشرع بشيء ثم يقول: العقل لا يجيزه. العقل لا يجيزه؟ هذا فاسد.
وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا فِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلًا وَشَرْعًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، وَعَزَاهُ الْوَاحِدِيُّ إلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَلا حُجَّةَ لِلْمَانِعِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ) ).
وإلا هم يستدلون بماذا؟ (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ) [النجم:3] هذا ردٌ عليهم.
{ (( إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ) )فَإِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِالْوَحْيِ: اتِّبَاعٌ لِلْوَحْيِ} .
لم يخرج عن الوحي، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد يقيس، وإذا كان القياس دليلًا شرعيًا حينئذٍ يكون اجتهادًا.
ثم ما يترتب على القياس أنه أصاب أو أخطأ، حينئذٍ نقول: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد يجتهد ويخطئ، لكن لا يُقَر من جهة الوحي، يأتي العتاب أو يأتي التصحيح ونحو ذلك، وأما أنه يجتهد فلا يوافق الصواب، ولا يأتي العتاب.
نقول: لا. ليس الأمر كذلك، هذا باطل لا يقع، وإنما يحصل منه الاجتهاد عليه الصلاة والسلام ويأتي التصحيح من السماء. وحينئذٍ يكون وحيًا.
فَإِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِالْوَحْيِ: اتِّبَاعٌ لِلْوَحْيِ وَمَنَعَهُ الأَكْثَرُ مِنْ الأَشْعَرِيَّةِ وغيرهم، وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَوَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ يعني: اجتهاده، يجوز في أمر الشرع عقلًا وشرعًا.
قال: {وَوَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا} .