{وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِيهِ} وهو مقطوعٌ به .. لا شك فيه، وأما ما أُوحي إليه فهذا ليس محلًا للاجتهاد.
{وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بِبَدْرٍ دُونَ الْمَاءِ، قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَنِعْمَ} يعني: نعم ما جئتَ به وَإِنْ كَانَ الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ، فَانْزِلْ بِالنَّاسِ عَلَى الْمَاءِ لِتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ فَقَالَ: لَيْسَ بِوَحْيٍ، إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ، وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ وَكَذَا إلَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمَّا أَرَادَ صُلْحَ الأَحْزَابِ عَلَى شَطْرِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ بَعْضَ الْكِتَابِ بِذَلِكَ، وَقَالا لَهُ: إنْ كَانَ بِوَحْيٍ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ: فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِالاجْتِهَادِ.
دليلٌ واحد يكفي إلى إثبات هذا الأصل وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجتهد كغيره من أمته، وأن الاجتهاد ليس خاصًا بمجتهدي أمته دونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا وقع حينئذٍ يكون جائزًا شرعًا وعقلًا.
(وَلَا يُقَرُّ عَلَى خطأ) .
إذا قيل: اجتهاد معناه قد يعتريه الخطأ، فهل إذا سوَّينا اجتهاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع غيره والأدلة السابقة معلومٌ أنه سيدخل في قوله: إذا اجتهد الحاكم فأصاب، وإذا اجتهد فأخطأ. وهو حاكمٌ عليه الصلاة والسلام.
إذًا: الاجتهاد معرَّضٌ للخطأ، هل يُخطئ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
نقول: مر معنا أنه قد أبدى بعض الآراء وكان الصواب في غيرها.
قال: {وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ اجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُقُوعِهِ مِنْهُ (لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ) إجْمَاعًا} .
قوله: (لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ) بمعنى أنه قد يصدر الخطأ، لكنه لا يُقَرُّ على خطأ، لكنه تأدب في العبارة.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْخَطَأِ، إلاَّ أَنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ. وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَمَنَعَ قَوْمٌ جَوَازَ الْخَطَأِ عَلَيْهِ، لِعِصْمَةِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَأِ فِي الاجْتِهَادِ.
وهذا غلط (( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ) [التحريم:1] وهذا نص واضح، (( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) ) [التوبة:43] هذا واضح أنه خلاف الصواب، فجاء العتاب من السماء.
قال البرماوي: قال أكثرهم -يعني: ممن جوَّز الاجتهاد للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال أكثرهم: إذا اجتهد يكون دائمًا مصيبًا، وليس كغيره بل اجتهاده لا يُخطئ أبدًا.