من أجمع أهل السنة والجماعة على كفره فلم يكفِّره فهو كافر.
من أجمع أهل السنة والجماعة على أنه مبتدع فلم يبدِّعه فهو مبتدع.
وأما ما وقع فيه نزاع أو ما يقع فيه اختلاف، وبدَّعه زيد ولم يبدّعه عمرو.
من أصول أهل الضلال أنه يُحمَل على قوله، يعني: لا بد أنك تُبدِّع مثل ما بدَّعناه.
إذًا: (وَلَا يُفَسَّقُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ) إن كان فيه خلاف. يعني: في هذا المُكفَّر، وأما إذا اتفقوا على أنه كافر، فحينئذٍ لا شك أنه يُشترط فيه ذلك.
ثم قال: (وَالْمُصِيبُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ) عرفنا الاجتهاد.
قال: {وَالْمُجْتَهِدُ} (الْمُصِيبُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ) لأنها قطعيات، وإذا كانت قطعيات فالقول الواحد منها هو الحق، وما عداه فهو باطل. وهذا من تعظيم العقل الذي جعله كثير من المتأخرين والمصنَّف جرى على ما اشتهر عندهم.
قال: {وَالْمُجْتَهِدُ الْمُصِيبُ فِي الأُمُورِ الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ إجْمَاعًا} بإجماع المتأخرين يعني.
{لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إلَى أَنَّ كُلاًّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ أَوْ الضِّدَّيْنِ حَقٌّ} نعم إن كان في باب العقليات كلٌ منهما نقيض للآخر أو ضدٌ للآخر لا إشكال فيه.
{بَلْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَالآخَرُ بَاطِلٌ، وَمَنْ لا يُصَادِفُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فِي الْوَاقِعِ: فَهُوَ ضَالٌّ آثِمٌ} يعني: كأنه أراد أن يبني أن العقليات هنا ينبني عليها العقائد، حينئذٍ المصيب واحدٌ، ومن خالف حينئذٍ يكون ضالًا.
لكن ليست مبناها على العقليات، إن كان العقليات في الأحكام العادية كالجلوس والقيام ونحوها أن المصيب فيها واحد يُسلَّم له وليس البحث فيه.
إن كان المراد أنه ينبني على العقل هو اعتقاد أهل السنة والجماعة وأن المصيب فيها واحد لا، ليس مبناه على العقل، وإنما مبناه على السمع. والعقل لا يمنع.
بعض المسائل العقدية اجتمع فيها النقل والعقل ولا يعارِض العقل النقل ولا النقل العقل، وبعضها خبريات محضة ليس للعقل فيها مجال كما هو الشأن في الروح، والشأن في القبر، وما بعد القيامة .. هذه أخبارٌ محضة.
وكذلك بعض صفات الباري جل وعلا هي أخبارٌ محضة، وبعض الصفات قد يدل عليها العقل ولا إشكال فيها كالرحمة، والخلق .. ونحوها يدل عليها العقل ولا يخالف النقل، واتفقا.
فقوله: {وَالْمُجْتَهِدُ} (الْمُصِيبُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ) إن أراد به المعتقد فتعليق المعتقد على العقليات باطل، بل هو موقوفٌ على السمع والعقل لا ينافيه.
قال: {وَمَنْ لا يُصَادِفُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فِي الْوَاقِعِ: فَهُوَ ضَالٌّ آثِمٌ وَإِنْ بَالَغَ فِي النَّظَرِ} يعني: بلغ الغاية في الاجتهاد.
{وَسَوَاءٌ كَانَ مَدْرَكٌ ذَلِكَ عَقْلِيًّا مَحْضًا. كَحُدُوثِ الْعَالَمِ أَوْ وُجُودِ الصَّانِعِ، أَوْ شَرْعِيًّا مُسْتَنِدًا إلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ، كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ} .
على كلٍ هذا الأصل الذي بنا عليه المصنف فيه نظر؛ لأن عقيدة أهل السنة مبناها على السمع في باب التوحيد وغيره.
(وَنَافِي الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ مُطْلَقًا) يعني: بدون تفصيل، سواءٌ قاله باجتهاد أو لا.