قال هنا: (مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ) {كَقَوْلِ الشَّارِعِ} يعني: هذا الحكم كما هو الشأن في قول الشارع يعني: في الكتاب والسنة.
{ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَجْدُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَنَعَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ} .
{كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا} يعني: جاء التنصيص بأن هذه المسألة ليست كهذه المسألة. إذًا: لا يجوز الإلحاق.
{أَوْ مَنَعَ النَّقْلَ} وهو كذلك، أو منع {التَّخْرِيجَ} وهو كذلك.
إذًا: كون هاتين المسألتين متشابهتين الحكم على كل واحدةٍ منهما بما يخالف الأخرى دليلٌ على أنه لا يجوز نقل حكم كل واحدة منهما إلى الأخرى.
{قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: أَوْ قَرُبَ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّهُ ذَاكِرٌ حُكْمَ الأَدِلَّةِ حِينَ أَفْتَى بِالثَّانِيَةِ} .
قوله هذا يبيَّن أن قوله: (فِي وَقْتٍ) يعني: إما في وقتٍ واحد أو في وقتين متقاربين؛ لأنها ليست المسألة السابقة التي يُحتمل أنه رجع كما قال: كلما وقفنا على أقوى تركنا القول السابق لا، هذا إما في وقتٍ واحد أو أنه في وقتين متقاربين؛ لأن المسألة تكون مستحضرة، وعلم حينئذٍ أنه أفتى بتلك المسألة بما يخالف المسألة الأخرى.
قال رحمه الله تعالى: (وَلَوْ نَصَّ) الإمام أحمد (عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِكَذَا، أَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبًا لَهُ) .
قال:"إذا كان مذهبًا له"هذا فيها إشكال في الشرح.
(وَلَوْ نَصَّ) الإمام أحمد (عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ) بيَّن (ثُمَّ قَالَ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِكَذَا، أَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبًا لَهُ) {أَيْ لِلإِمَامِ كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى كَذَا} .
يعني: سُئِل عن مسألة وحكَم فيها، ثم قال: ولو قيل بكذا لما بعُد. أيهما المذهب: ما نص عليه أو ما سوَّغ فيه القول .. الأول أم الثاني؟ الأول، الذي نَص عليه هو الذي يُعتبر مذهبًا.
وهذا يجري عليه بعض أهل العلم، أنه ينُص على المسألة بِحُكم كذا، ثم يقول: لو قيل بكذا، أو ذهب بعض أهل العلم إلى كذا وله قوة وله وجهٌ، الثاني هذا لا يُعتبر أنه مذهبٌ له، ولا يعتبر ترجيحًا، وإنما ما نص عليه هو المعتمد.
ولذلك قال: (وَلَوْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ) يعني: بيَّن حكمها.
(ثُمَّ قَالَ) بعدما نص على الحكم.
(لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِكَذَا، أَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبًا لَهُ) .
{أَيْ لِلإِمَامِ كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى كَذَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .. } إلى آخره.
ثم قال: (وَالْوَقْفُ مَذْهَبٌ) .
يعني: لو توقف الإمام أحمد في مسألة قال: الله أعلم، أو أتوقف في كذا هل يُعتبر الوقف مذهب؟ هل الوقف حكمٌ شرعي؟ نعم يعتبر حُكمًا، حَكَم، إذا قال: أتوقَّف. حينئذٍ نقول: حكمًا.
ليس حكمًا شرعيًا باعتبار أنه من التكليفي أو الوضعي لا، المراد به: هل أجاب أم لا؟ نقول: نعم أجاب.