(وَالْوَقْفُ مَذْهَبٌ) {يَعْنِي أَنَّ الإِمَامَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَتَوَقَّفَ فِيهَا، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُ فِيهَا الْوَقْفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ} .
(فَصْلٌ: لا يُنْقَضُ حُكْمٌ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ) .
يعني: {حُكْمُ حَاكِمٍ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ} .
إذا حكم القاضي بحكمٍ هل يُنقض أو لا؟ يعني: من هو أعلى منه هل ينقُضه أو لا؟ الجواب: لا. إلا في مسألة استثناها المصنف هنا، وستأتي استثناءات كذلك.
{وَلا يُنْقَضُ حُكْمُ حَاكِمٍ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ لِلتَّسَاوِي فِي الْحُكْمِ بِالظَّنِّ} .
لأنه اجتهادٌ، وكلٌ منهما اجتهد بما أداه إليه ظنُّه، فحينئذٍ هذا إذا نقَض سينقض بظنٍ، ثم القاعدة: الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد. كلٌ منهما اجتهاد فلا يُنقضُ الاجتهادُ بالاجتهاد.
{لِلتَّسَاوِي فِي الْحُكْمِ بِالظَّنِّ} يعني: لو نقضه سينقضه بظنٍ. وإنما هو حكَم بظنٍ، إذًا استويا.
لكن لو ترجَّح الناقض بأنه نصٌ لا يحتمل التأويل فحينئذٍ صحَّ النقض، أو أنه محل إجماعٍ صحَّ النقضُ.
ولذلك هنا تصور المسألة فيما إذا كان النقض بمسألة اجتهادية، ظنٌّ بظنٍ.
قال: {لِلتَّسَاوِي فِي الْحُكْمِ بِالظَّنِّ وَإِلاَّ نُقِضَ} يعني: وإن لم يكن النقض بظنٍ بأن كان المخالف خالف قطعيًا، فحينئذٍ يُنقض حكمه ولا إشكال فيه.
قال: {وَإِلاَّ نُقِضَ بِمُخَالَفَةِ قَاطِعٍ فِي مَذْهَبِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، إلاَّ مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ اتِّفَاقًا؛ لأَنَّهُ عَمَلُ الصَّحَابَةِ} يعني: النقض {وَلِلتَّسَلْسُلِ} كلما نُقِضَ جاء نقَضَه، والنقض الثاني يأتي ينقضه .. ضاع الحكم.
{فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ؛ إذْ لَوْ جَازَ النَّقْضُ لَجَازَ نَقْضُ النَّقْضِ} ما دام أنك جوَّزت الأول جاز نقض النقض.
{وَهَكَذَا، فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ حينئذٍ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فِي الْفُرُوعِ: لا يُنْقَضُ الاجْتِهَادُ بِالاجْتِهَادِ} .
إذًا: الأصل في حكم الحاكم أنه لا يُنقض هذا في الجملة، وقد يُنقض في بعض الأحوال.
(إلَّا) هذا جاء الاستثناء، يعني: فيما يجوز نقضه.
{إلاَّ الْحُكْمَ} (بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ) هذا خالف نصًا، وإذا خالف نصًا قاطعًا حينئذٍ جاز نقضه.
{وَإلاَّ الْحُكْمَ} (بِجَعْلِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حُجِرَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ) جاء النص بهذا التعبير. إذًا: إذا خالف الاجتهادُ نصًا فحينئذٍ هذا الاجتهاد لا عبرة به.
فإذا حكَم به الحاكم يعني: القاضي جاز أن يُنقَض هذا الحكم، ومثَّل بهذين المثالين إشارة إلى أنه قد خالف النص، فلو حكم بقتل مسلمٍ بكافر قال: هذا خالف النص ولا يُعمل به، ولا يجوز إمضاؤه.
قال: {لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِنَصِّ آحَادِ السُّنَّةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَا خَالَفَ نَصَّ سُنَّةٍ وَلَوْ آحَادًا يُنْقَضُ} لأنه ليس باجتهاد.