ثم إن وُجد من يعارِض في بعض العقليات قد يجعله مساندًا للشرع ولا إشكال فيه، أو أن يكون رادًا على أهل البدع كما هو في الرد على الجهمية وغيرهم، أتى بعض العقليات وبعض المسائل المتعلقة بهذا النوع من القياس، لكنه جاء ضمنًا لا أصلًا، فرْقٌ بين أن يُجعل القياس العقلي أصلًا في قبول الشريعة وفي التأسيس والتأصيل، وبين أن يُجعل القياس العقلي في ضمن ما يُرَد به على أهل البدع.
فما ورد عن الإمام أحمد هو من هذا النوع، قال: الْقِيَاسُ العقلِي حُجَّة يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. مطلقًا؟ لا. ليس مطلقًا وإنما يُنظر فيه وما يكون نتيجة عليه.
{وَيَجِبُ النَّظَرُ وَالاسْتِدْلالُ بِهِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ} هذا إطلاقٌ فاسد.
{وَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ} وهذا باطل.
{وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ الاحْتِجَاجُ بِدَلائِلِ الْعُقُولِ} ليست مطلقًا وإنما ما جاء في الرد على الجهمية في ثنايا الرد، أما أنه أصَّل عقيدة كما هو شأن أهل البدع من المعتزلة والجهمية والأشاعرة أنهم يقدِّمون العقل وهو استدلال صحيح وهو الثابت، والطعن في الدليل السمعي، هذا الإمام أحمد على هذا المسلك؟ لا. هذا كلام باطل.
قال: {وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الإِثْبَاتِ} .
قال: {وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ حُجَجَ الْعُقُولِ بَاطِلَةٌ، وَالنَّظَرُ حَرَامٌ، وَالتَّقْلِيدُ وَاجِبٌ} وسطية، ولكن وسطية فيها نظر.
{وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ وَالاسْتِدْلالُ: طَرِيقٌ لإِثْبَاتِ الأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ} .
لكن {طَرِيقٌ لإِثْبَاتِ الأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ} هذا فيه إجمال، ما المراد بالأحكام العقلية؟ هل معرفة الباري من الأحكام العقلية؟ هل معرفة صفاته من الأحكام العقلية؟ هذا فيه إجمال، والإمام أحمد لا يوافق مطلقًا على مثل هذه المسائل، فانتبهوا لمثل هذه الإطلاقات.
لأن كثيرًا من المتأخرين الحنابلة -ومر معنا في الكتاب هنا- أنهم يوافقون الأشاعرة في شيءٍ ما، وهذا يوافق المعتزلة، وهذا .. ففيه شيءٍ من عدم التحرير، فقد يُطلقون وينسبون للإمام أحمد شيئًا ما ولا يكون الإمام أحمد على ذلك.
ولذلك بعضهم يعتقد أن الإمام أحمد كان مفوضًا .. من الحنابلة، ويرى أن هذا هو مذهب الإمام أحمد ويستدل ويأتي بأقواله إلى آخره، كابن قدامة وغيره. نقول: هذا باطل، أَخذ شيئًا من كلام الإمام أحمد وظن أنه هو ظاهره فاعتمده، فانتبه لهذا.
فقوله هنا: أن هذا طريق الإمام أحمد"نص عليه أحمد"، نص عليه أحمد أن القياس العقلي والاستدلال حجة؟ لا، ليس مطلقًا.
{قُلْتُ: كَلامُ أَحْمَدَ فِي الاحْتِجَاجِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرًا فِي كِتَابِهِ الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ: الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ} .